صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر رواية  للكاتب اللبناني جورج شامي بعنوان "أول الذهب" تحكي بطريقة واقعية تصل أحيانا حد التحول إلى تقريرية، قصة نزوح مبكر أو هجرة داخلية لمجموعة من سكان جنوب لبنان إلى المصهر الاجتماعي الذي تمثله العاصمة بيروت.
 
الرواية التي تحكي -وإن بسرعة شديدة أحيانا- قصص ثلاثة أجيال على نمط قد تكون ثلاثية نجيب محفوظ أطلقت بعض سماته عربيا، تتسم بواقعية واضحة وتكاد -لولا قدرة جورج شامي على القص- تتحول أحيانا إلى شبه تقرير اجتماعي سردي.
 
وقد يصعب على قارئ الرواية ألا يجد نفسه في أجواء تشبه إلى حد كبير أجواء رواية "حي اللجى" للكاتبة اللبنانية بلقيس الحوماني، مع قدرة شامي على هضم موضوعات مختلفة ونقلها للقارئ في سرد مشوق رغم طغيان البرودة عليه أحيانا.
 
ورغم أن شامي عمد إجمالا إلى وصف شخصياته من الخارج في حين تناولت الحوماني أشخاص روايتها بوصف كل منهم كائنا ذا نفس متعددة الأغوار, فإن الروايتين تتكاملان من ناحية أن كلتيهما ركزت على مشكلات مجموعات بشرية نزحت من الجنوب اللبناني إلى بيروت لأسباب جامعها المشترك الفقر وإن بدت تفاصيلها مختلفة.
 
لكن الشريحة التي قدمتها الحوماني كانت من المسلمين الشيعة الذين نزحوا إلى بيروت بحثا عن فرصة عمل على امتداد السنوات الواقعة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. أما عند شامي فالحقبة الزمنية امتدت بين هاتين الحربين أي من فترة الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي وصولا إلى الحرب العالمية الثانية ومنها إلى الحرب الأهلية في لبنان، متناولا مجموعة من الجنوبيين المسيحيين الموارنة.
 
يتحدث شامي عن الأب ثم الجد في الرواية وهو فلاح يعمل في أراض لا يملكها، وحينما عاثت عصابات القتل والنهب والسرقة في تلك المنطقة تدميرا وحرقا تحت شعار "الثورة ومناهضة الاحتلال الفرنسي الذي أعقب نهاية الحرب الأولى، اضطر مع أفراد عائلته -أطفالا ورضعا- للهرب إلى بيروت مع قوافل النازحين الذين احتضنتهم بعض المنظمات الإنسانية وجمعيات الإغاثة.
 
وقد يكون شامي من خلال شخصية سعد الله الأخ الأكبر في الرواية قدم صورة مميزة وغريبة لنمط نموذجي لبناني بل إنساني تجتمع فيه صفات متناقضة، وهو يصفه بمحدودية ثقافته ويقول "ورغم تحزبه السياسي لمارونيته ولفرنسا لم يكن متدينا ممارسا ولم يشاهد يحضر القداس لا في الأيام العادية ولا في الأعياد، ولم يشارك يوما في تساعية الميلاد وفي صلاة الستار قبيل الفصح ولا في الصوم".
 
ويضيف "وكانت له تفسيرات وتأويلات واجتهادات إيمانية خاصة به لا تلقى قبولا لدى كثيرين وتتناقض أحيانا مع الثوابت في العرف الكنسي. ومع هذا كان ملتزما بقوانين الصدق والاستقامة فهو في دكانه لم يكن يطمع بربح فاحش أو غير معقول، ولا كان يتلاعب بالجودة ولا كان يتلاعب بالمقاييس والمكاييل والموازين".
 
ينهي شامي روايته بحكم قاس على شخصياته هذه فيقول "ما قيمة عائلة هذا حالها لا تنفعل بالأحداث ولا تلتزم بالمواقف ولا تنتسب لأي حزب وليست عندها أيدولوجية وولاؤها باهت وشاحب.. ما قيمة خياراتها هذه.. خيارات الانكفاء والتقوقع.. والتمسكن المستتر بالعبادة والتقوى والصلاة. تحترق باحتراق البخور في المجامر وتتلاشى بانتحار التراتيل في الحناجر، وتذروها رياح التشتت كما تذرو الرياح المحاصيل على البيادر".

المصدر : رويترز