صدرت عن دار الجمل بألمانيا ترجمة عربية لنسخة من كتاب "التصوف الإسلامي" للمؤلف السويدي تور أندريه يتناول فيه حياة وتاريخ أبرز المتصوفين المسلمين الحسين بن منصور الحلاج الذي صلب في بغداد يوم 26 مارس/ آذار عام 922 ميلادية.
 
ويقول تور أندريه في مقدمة كتابه، الذي ترجمه إلى العربية الكاتب العراقي المقيم في ألمانيا عدنان عباس وصدرت طبعته الأولى عام 1947، إن الحلاج اتهم بادعاء الألوهية والقدرة على خلق المعجزات ورغم إعلانه براءته مما نسب إليه من آراء إلا أن الحكم عليه "كان أمرا مقضيا" حيث جلد بالسوط ثم قطعت يداه ورجلاه وبعد ذلك صلب على خشبة وترك معلقا يومين ثم حز رأسه.
 
وذكر أندريه أن هذا الحدث المأساوي أثار أنظار المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون (1883 – 1962) بحيث بدا وكأن الحلاج  يبعث من جديد بعد أن  جمع ماسينيون كل ما في مكتبات أوروبا والشرق الأوسط عنه مقتفيا أثره فيما يزيد على 2000 بحث من الشرق والغرب فكانت الحصيلة عملا جبارا مدهشا" يشتمل على 900 صفحة تسلط الضوء على حياة هذا الصوفي المسلم.
 
وقد انتهى ماسينيون إلى نتيجة أن "الحلاج ثمرة التصوف الإسلامي وأنه فاق الكل من حيث عمق فكرته وندرة جرأته وحرارة ورعه وصدق تقواه", وهو ما يؤكده أندريه قائلا إن الحلاج كان واحدا من العظام ذوي الطاقات الفكرية الاستثنائية "إنه علامة مضيئة في تاريخ التصوف الاسلامي فمنه بدأ الطريق الذي سلكه التصوف الإشراقي والذي ارتبط باسم المفكر الكبير (ابن عربي) صاحب المؤلفات ذات الأهمية الخاصة المتميزة بالنسبة للباحثين في تاريخ الأديان فإليها يرجع الفضل في حفظ ونقل الكثير من أفكار التصوف الإغريقي".
 
ويرى المؤلف أن التصوف الإسلامي بلغ ذروته على أيدي من اعتبرهم المؤسسين الأوائل خلال 150 عاما بداية من عام 750 ميلادية مستعرضا علاقة عدد من المتصوفين المسلمين بالزهد والحياة والمجتمع والذات الإلهية.
 
كما خصص فصلا عنوانه "التصوف والمسيحية" أشار فيه إلى أن التصوف "نما على أرض الإسلام بصفته روحا من روحه وكلمة من كلمته... توافر المؤمنون على قرآنهم ولم يكونوا بحاجة لكتب النصارى إلا أن هذا لا يعني طبعا أن عرى الاحتكاك كانت قد انفصمت فالفتح العربي عامل السكان المسيحيين برفق كبير في البلدان المفتوحة ولم يكن هناك أي شيء يمكن أن يثير شكوى الكنائس المسيحية".


 
وأشار إلى أن المسلمين لم يكونوا بحاجة إلى إرشاد فيما يتعلق بعقيدتهم وشعائرهم فعندهم القرآن الكريم وسنة الرسول ولكن بالنسبة إلى تعلم طرق الحياة الزهدية ليس ثمة شك في أن إرشادات الرهبان - زاعما- أنها كانت أحيانا أمرا نافعا فمالك بن دينار لا يأنف من أن يتعلم من الرهبان النصارى وإن كان هو نفسه يسمى راهب العرب.
 
وقال المترجم العراقي في مقدمة الطبعة العربية إن المؤلف كان أبا كنسيا يؤمن بالوحي وقد استطاع أن يبتعد عن النعرة العلمية التي تتمسح بها غالبية المستشرقين عند دراسة الفكر الإسلامي والقائمة على ميلهم لإتباع مناهج وطرق مادية هادفين من ذلك إلى القول بأن القران الكريم هو "حصيلة الإبداع الشخصي للرسول" صلى الله عليه وسلم.
 
إلا أن المترجم في الوقت نفسه أشار إلى أن المستشرق السويدي الذي وصفه بأنه أحد الأعلام المتخصصين في تاريخ الأديان والسيكولوجية الدينية لم يتعامل مع الإسلام كدين نشأ من مصدر هو الوحي الإلهي بل رأى فيه "فرعا من فروع المسيحية".
 
وتساءل عما إذا كنا نحن العرب بحاجة إلى الأدبيات الصوفية في ظرفنا المتردي.. ونحن نعيش في عصر غدا فيه البعض يرى في كل أقوال السلف بلسما يشفي من الجراح التي أثخنت جسم الأمة وعصفت بروحها موضحا أن التراث العربي مثل تراث أية أمة ينطوي على جوانب سلبية وأخرى إيجابية.
 
وصدر للمترجم في سلسلة "عالم المعرفة" بالكويت في السنوات الماضية كتابان مترجمان هما "فخ العولمة.. الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية" لمؤلفيه الألمانيين هانز بيتر-مارتن وهارالد شومان و"جوته والعالم العربي" للمستشرقة الألمانية كاتارينا مومزن.

المصدر : رويترز