يلعب التحول والغياب والارتحال والموت في مجملها جوهر الأدب النسائي في فجيعته الإنسانية الدائمة وذلك ما تبثه الكاتبة والروائية اللبنانية أميلي نصر الله في كتابها الجديد "رياح جنوبية" الذي صدر عن دار "نوفل" للنشر في بيروت في 195 صفحة.
 
تقف الكاتبة نصر الله التي ترجمت أعمالها إلى لغات عدة على الأطلال بالمعنى الوجودي لتسبر أغوار الذات حيث تخلق مجموعتها الجديدة انطباعا في النفس بأن قسما ليس بقليل من موادها ربما كان أقرب إلى النص المفتوح الذي تجتمع فيه خصائص مختلفة منها القصصي والوجداني الشعري والتحليل الفكري والسياسي والتعليق المباشر من الكاتب أحيانا.
 
وبالتمعن في نصوص رياح جنوبية نجد أن الفيض الشعري عند نصر الله ابنة جنوب لبنان يذكر بمعاناة أدباء وفنانين لبنانيين كبار في تناولهم موضوعات الهجرة إلى الخارج والهجرة الداخلية إلى المدينة ووصفهم القرى الخالية التي تركها أبناؤها بسبب الحاجة المادية أو الحرب أو كلتيهما.
 
مثّل هذه المعاناة أدباء وشعراء منهم مهجريون ومنهم بشكل خاص فؤاد سليمان في تضرعاته "ردهم يا بحر" وحديثه عن القرية المقفرة والأبواب المغلقة التي يلفها الغبار والبيت الذي عمره لهم الوالد وذهب في غربة لم يعد منها وعن البلابل ذات المناقير الحمر التي تأتي من القرية الحزينة لتزوره في بيروت.
 
في القصة الأولى "سندريلا الحكاية" تبدو الكاتبة كأنها تقول "كان ما كان" وكأنها تعيد كتابة قصة سندريلا الشهيرة برؤية مختلفة إلى حد ما وبشعرية واضحة وبما يربط الأمر بزماننا ولو من خلال إظهار الاختلاف، إذ تتدخل الكاتبة مشيرة إلى الفرق في أمور المعيشة ووسائلها ووسائل الترفيه وغير ذلك, وكأنها تشير في شيء من الرمز إلى قضية المظلومين في العالم.
 
في قصة "فتى الشاشة" نرى الفتاة المحافظة التي نشأت في عائلة متزمتة تكاد تمتنع عن الأحلام وتخشاها وتهرب من كل كلمة إعجاب. وبعد زمن من الكبت تعجب بأمير حديث من نوع آخر هو ممثل في مسلسل تلفزيوني وبعد تعارف تتجرأ وتدعوه إلى حفلة في بيتها وعند دخوله قدم لها رفيقته قائلا إنها زوجته لنجد إنها هنا سندريلا أخرى مختلفة امتنعت عن الأحلام طويلا ولما حلمت حلما صغيرا لم يتحقق.
 
قد يتساءل القارئ ما الذي تدعو إليه بعض شخصيات أميلي نصر الله هنا.. هل تدعو إلى الأحلام ولو جامحة أم أنها تدعو إلى الامتناع عن كل حلم ؟ وقد نتجاوز هذا السؤال اجترارا لنرصد مأساة اجتماعية إنسانية حقيقية وواقعا تصوره الكاتبة في قصة "رعب فضائي".
 
تطرح نصر الله في هذه القصة ظاهرة متفشية وذلك من خلال "سوغي" الخادمة السريلانكية التي بعد أن جرى وصل جهاز التلفزيون في غرفتها بالكابل أصابها شبه جنون بسبب البرامج الرهيبة التي تكاد لا تعرض سوى صور القتل والدمار فتوهمت المسكينة أن الجميع سيموتون كما يجري في ما تشاهده من برامج,  وفي النهاية وبمشورة من طبيب نفسي تقرر أن ترسل إلى بلادها كي ترتاح ويعاد تأهيلها.
 
قد يبدو الأمر هنا كأنه قول رومانسي أن الحل الوحيد هو العودة إلى الحياة الطبيعية لكن السيدة تتساءل عما إن كان هذا الأمر لايزال ممكنا,  إنه سؤال مؤرق أجاب عنه الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري متحدثا عن عبثية العودة إلى قريته قائلا "أين المفر وقريتي صارت مدينة".

المصدر : رويترز