تفجيرات عمان دفنت مصطفى العقاد لكنها لم تقتل أحلامه (الفرنسية)
 
لم تعرف أحلام مصطفى العقاد حدودا, ولم تولد كبيرة لتضمحل وتنزوي في ركن ما من الذاكرة. أحلام العقاد كان يولدها الواقع العربي الذي كان يدفعه إلى مواصلة كفاحه في الغرب لإزالة الغبار عن صورة العرب والمسلمين.
 
الحديث عن مصرع العقاد عكسته مراسم تشييع الإبداع في سوريا والأردن، فدموع ذويه وبكاء محبيه لونت صورته السينمائية التي بعثرتها شظايا الانفجارات وخلفت تساؤلات حانقة جوهرها لماذا يودع العباقرة بمشاهد مأساوية؟ ولماذا لا نتذكر عظماءنا إلا وهم أموات؟
 
مسيرة العقاد من سوريا إلى الولايات المتحدة ومن هوليود إلى الأردن ومنها إلى مثواه في حلب أكبر وأطول من أن يحتضنها تقرير إخباري, لكن من حقه علينا أن نسرد للعالم حكايته مع الطموح والغربة والشهرة والموت.
 
العقاد عاش أميركيا بحلم عربي (الفرنسية)
صدى حلم قديم
ولد مصطفى العقاد في مدينة حلب بسوريا عام 1935 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي فيها, ومنها سافر إلى الولايات المتحدة لدراسة الفنون المسرحية في جامعة كاليفورنيا عام 1954, وتخرج منها عام 1958.
 
رسم تراث مدينة حلب وقلعتها القديمة صدى حلم قديم ظل حيا في ذاكرة العقاد. وكبر حب العقاد للسينما بعد أن كان جاره في حلب الذي كان يعمل مشغلا لآلة العرض السينمائي في إحدى دور السينما, يريه كيفية عرض الأفلام وكيفية قص المشاهد الممنوعة.
 
عندما بلغ العقاد الـ18 قرر أن يصبح مخرجا سينمائيا مشهورا يقدم أفلامه للعالم من هوليود. في ذلك الحين ضحك كل من يعرف العقاد من أهالي حلب على هذا الحلم وقالوا له "احلم على قدك", ونصحوه بالذهاب إلى دمشق أو القاهرة لدراسة الإخراج, غير أن العقاد الشاب كان مصرا على هوليود.
 
"
الموت القادم عبر فتيل المتفجرات غيب مبدعا أظهر للعالم بأس حمزة وسيف علي وصلابة عمر المختار
"
ومن عاصمة السينما العالمية أنتج وأخرج فيلم الرسالة عام 1976 بنسختين عربية بطلاها عبد الله غيث ومنى واصف وإنجليزية كان نجماها أنتوني كوين وإيرين باباس. وقد كسر فيلم الرسالة (The Message) بقيمته الفكرية حاجز تغييب الدين الإسلامي في الذاكرة الغربية، وكان بانوراما سينمائية تحكي للعالم قصة الرجل الذي أصبح أمة.
 
أتبع العقاد الرسالة بتحفة ثانية أسماها "أسد الصحراء" عام 1981. ويسرد فيلم (The Lion of the Desert) الناطق باللغة الإنجليزية قصة نضال الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي. وكان الفيلم الذي جسد السيرة النضالية للبطل عمر المختار تحفة سينمائية تعاون في نقشها مع الزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان يؤمن بأن "السينما سلاح أقوى من الدبابات". ويؤكد العقاد أن القذافي مول فيلمي الرسالة وعمر المختار.
 
وبالإضافة إلى هاتين التحفتين أخرج العقاد وأنتج ثمانية أجزاء من سلسلة افلام الرعب "هالوين" (Haloween) الذي استمر في إنتاجها وإخراجها منذ عام 1978 حتى عام 2002. كما قدم "موعد مع الخوف" (Appointment with Fear) عام 1985 و"جولة حرة" (Free Ride) عام 1986.
 
المسؤولون الأردنيون والسوريون تزاحموا على حمل نعش العقاد (الفرنسية)
أميركي بحلم عربي
عاش العقاد أميركيا بحلم عربي ومثلت تجربته السينمائية قدرة فذة ومتجددة عكست الرؤى العربية التي غيبتها العتمة. لقد نقل العقاد في "الرسالة" تاريخ السيرة النبوية المضيء بعد أن حصل على موافقة المرجعيات الدينية كالأزهر والحوزة في النجف الأشرف.
 
كان العقاد معجبا بالتاريخ العربي وأبطاله، ورغم حياته في الغرب فإن هواه ظل عربيا، وطالما تمنى أن يجسد بصورة البانوراما الكبيرة ملحمة الحروب الصليبية مجسدة في شخص القائد صلاح الدين الأيوبي. كما حلم بصناعة فيلم عن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن, يكشف من خلاله التعريفات المتضاربة التي رافقته.
 
المفارقة أن العقاد قتل بسلاح يعتقد أنه لتنظيم القاعدة وشاء القدر أن يكون موجودا في الأردن للقاء ابنته ريم التي جاءت من بيروت لحضور حفل زفاف في فندق غراند حياة, غير أن الموت القادم عبر فتيل المتفجرات غيب مبدعا أظهر للعالم بأس حمزة بن عبد المطلب وأسطورة سيف الإمام علي بن أبي طالب وصلابة أسد الصحراء عمر المختار.
_________

المصدر : الجزيرة