الصافي جعفر (الجزيرة)
صدر عن دار السداد بالخرطوم طبعة ثانية من ديوان "أنفاس العشية" للشاعر والأديب السوداني الصافي جعفر الصافي اشتمل على أكثر من 40 قصيدة من الحجم المتوسط.
 
ويتناول الديوان الفترات المختلفة للشاعر ويؤرخ للحركة الطلابية بالسودان في حقبة الستينات من القرن الماضي وحنينها لبناء مجتمع بعيد عن العصبية والترهات, وهي محاولة إسقاط الفكر الإسلامي على الواقع السياسي في السودان في تلك الفترة.
 
وقد أبحر الشاعر عميقا في بحار الدهشة والتأملات مرتديا حلة الصوفي ومعتمرا قبعة الزاهدين, وقد حمل الديوان الكثير من الإضاءات نحو نكران الذات والخروج من سجن المادة إلى فضاءات الروح, داعيا بذلك إلى "تهميش الذات للقرب من خالق الذات"  في صورة صوفية دافئة مليئة بالرقة والانسجام. كما يتضح هذا المعني جليا في قصيدته "أشتات من تأملات" التي يقول فيها:
بل إنما هي في فتى تأمل  يهدي الوجود الغض من أنفاسه 
هو منهل يسقي الوجود صفاءه  ويحل لغز الكون في سجداته.
 
ويرنو الصافي لتغير الواقع الإسلامي عالميا ومحليا مما يلقي بعض الضوء على تلك النشأة الدعوية التي حظي بها الشاعر في منطقته الأم بشمال السودان وقد مازج بين رقة الصوفية وقوة الثوار بصورة فيها الكثير من الجمال يقول في قصيدته رياح الخريف:
 
فماذا أخي لو أطل الصباح  وولي الظلام وهل الهلال
وعمت شريعتنا العالمين  وسرنا سراعا إلى ذي الكمال
وغنى الوجود أغاني الحياة  وعاد السناء والمعاني الزلال.
 
ومن الملاحظ جليا أن الصافي قد مارس الدعوة لله على طريقته الخاصة بفتح الكثير من نوافذ التأملات, وقد وقف وتوقف كثيرا في لفت الانتباه إلى التأمل في الذات, ومارس حيرة النفس وخاطب صفاءها كأنما يمنح بصائر الآخرين خيوط الضوء نحو عزلة الدونية والتحليق في فضاءات الروح, يقول في قصيدته "تباريح":
 
وتغذ المسير عبر الفيافي  وتوالي تسيارها لا تبالي
قد تسامت بنفحة الروح دهراً  ثم عادت لحمأة الصلصال
واستكانت للازب الطين حتى  فاتها الركب خلف التلال.
 
ومن الطبيعي أن نجد بعض قصائد الرثاء والمناجاة لبعض الذين نقشوا حضورهم بين خلجات شاعرنا ولعل أبرز قصائد الرثاء التي حواها الديوان رثاء أمه (بت المدني) ولعل في هذه القصيدة انعكاس واضح لقراءة شخصية الشاعر من منظور صوفي حيث نجد أنه قد ركن إلى مناجاتها من هذه الزاوية لما فيها من حميمية وتواصل بينه وبينها بلغة خفية مشتركة:
 
أيا أم جئتك عبر الفيافي  حنينا إليك فقومي إلي
ومدي يديك أقبلهما  وأحبو مشوقاً على ركبتيا
هيا هدهديني فإني معنَّي  بدفء يديك على ساعديا
تذكرت إخوتك السالكين  وقد جلسوا معك ذات عشيه
تديرين فيهم حديث القلوب  حديث الرقائـق والعامرية
وطفلك يرنو بشوق نبيل  وقد بهرته المعاني الشجية.
 
ولعل من أهم أركان البناء في التركيبة الشعرية التي تألف منها أنفاس العشية ذلك الحب والاعتزاز الذي مارسه الشاعر تجاه رفاقه وأصدقاء عمره الذين وحدتهم الفكرة والهدف يقول في أناشيد الزاحفين:
 
ألا ما أجمل الدنيا  إذا ما سرت في صحبي
تداولنا حديث الله   حلواً سائغ الشـــرب
وأشتات من التفكير  في تاريخنا الكـــرب
فتشجيني التباريح    وحب في ثرى القـلب.


 
يذكر أنه صدر للصافي "ربانيون بين الزنزانة والقصر" و"الإنسان هذا الجوهر النفيس" و"القرآن والجمال" وله تحت الطبع بين يدي رسول الله وهي سلسلة في السيرة النبوية.

المصدر : الجزيرة