صدر عن منشورات الجمل في  كولونيا الألمانية  كتاب للعراقية أمل بورتر بعنوان  دعبول، وصفته بأنه "قصة سلسلة دافئة عابقة بالذكريات والحنين إلى أيام أفلت لا يدرك الإنسان قيمتها إلا مستعادة في الذاكرة بحسرة وشعور بأن ما مضى لا يعود".
 
تبدو القصة في الواقع أشبه بخيط تنتظم فيه سلسلة من الأحداث والمشاعر والأحلام والحالات والفقر والإحباطات، وقصص الحب والصداقة في البيوت الشعبية الفقيرة يغمرها دفء لا يغادر أحداثها حتى في حالات التعاسة.
 
أما أمل بورتر فهي فنانة ومؤرخة فنون ولدت عام 1939 في بغداد، ودرست الفنون الجميلة بمعهد الفنون الجميلة في العاصمة العراقية ومن ثم موسكو ودرست تاريخ الفن بعد ذلك في لندن.
 
يشعر القارئ أنه يعرف أشخاص القصة، ففيها عملية سرد مركبة من حيث الراوي  الحقيقي والراوي الذي نلتقيه في القصة ويطل علينا أحيانا بصورة البطل نفسه، بينما الرواي الفعلي هو ابن بطل آخر أي ابن الشخصية الثانية في القصة.
 
إهداء الكاتبة يلقي ضوءا على ذلك، إذ تقول "إلى يوسف جرجيس حمد، أعيد إليك ما رويته لي بمتعة وحب" لكن اللعبة الفنية في هذا المجال تتوضح في قولها في صفحة تالية إن القصة "هي قصة علي حمد جاورش العبيدي المعروف باسم جرجيس حمد النجار يرويها دعبول البلام الشخصية البغدادية المعروفة والتي أشير إليها في بعض المؤلفات".
 
وفي متن القصة نجد أن يوسف جرجيس حمد هو ابن علي حمد أحد بطلي القصة، والذي تقول المؤلفة إنها قصته. لكننا خلال القراءة نجد أن الراوي دعبول هو الشخصية الأولى التي شكل علي حمد، ما يمكن وصفه بأنه صورة الأب الراحل ومصدر إلهام روحي لبطل الراوية.
 
وتعتمد الكاتبة تنوعا في أسلوب السرد، فأحيانا نواجه سردا بسيطا مطردا زمنيا لكنه لا يلبث أن يتحول إلى تداخل في الأزمنة, كما في شخصية دعبول الطفل الذي قضت عائلته في حريق فتشرد بالشوارع ووجد نفسه يضطر إلى الادعاء بأنه بنت لتعتني به سيدة.
 
بعد مدة من الزمن يكتشف الأمر، يلتجئ الولد إلى سكينة وزوجها وهما من مدينة حلب السورية وصديقان لعائلة حفيظة. قدما له بيتهما وعاملاه برفق ومحبة كأنهما أهله ومن خلالهما تفجرت موهبته في العزف على العود.
 
حب دعبول الأول والأخير كان لسليمة التي كانت أكبر منه سنا وتصنع الخبز على تنور تمتلكه، وقد تزوجت من رجل أكبر منها وسافرت إلى منطقة بعيدة، فما بقي لدعبول غير الذكريات لكنه استمر يمر قرب مكان التنور لعلها تعود حيث بقي حتى في كهولته يمر ليتأمل التنور المهجور.
 
وفي زمن الكهولة تعود سليمة مع أولادها بعد وفاة زوجها، فيدعي دعبول أنه بائع فجل ليمر قرب بيتهم، ويسمع صوتها من داخل البيت دون أن يتجرأ على رؤيتها مع أنه سمع أن بعضهم يسعى إلى أن يتزوجها لمال وفرته من عملها.
 
وتنتهي القصة في هذه الحال، فالكهل المسمر في الطفولة ولا يستطيع مغادرتها لا يتحرك، تقول الكاتبة على لسانه "سكينة ماذا تقولين ماذا عساي أن أفعل.. قولي لي ماذا أفعل .. آه يا علي.. أين أنت.. لا سند لي ولا ملاذ سوى كأس العرق والعود".

المصدر : رويترز