أثارت الدراما التلفزيونية التاريخية التي تبث حاليا على عدد من القنوات الفضائية العربية حول فترة معينة من التاريخ العربي والإسلامي تتناول علاقة دولة المرابطين بالأندلس تساؤلات عديدة حول سبب اهتمام الدراما في المشرق بقضايا وتاريخ المغرب؟ وما سبب تناولها له في عدة أعمال بثت مؤخرا؟ ولماذا لا تقدم السينما والشاشة المغاربية هذا التاريخ بأيدي أبنائه؟ وهل التاريخ المغربي والصورة الجديدة في التلفزيون هي الدافع لدى المخرجين لتقديم هذه الأعمال بعد أن استهلكت المواضيع والصور في المشرق العربي؟ أم أن التاريخ العربي تاريخ واحد؟ لا فرق بين مغربي ومشرقي؟
 
المرابطون والأندلس
يتناول مسلسل المرابطون والأندلس الذي يبث حاليا حقبة من أكثر حقب التاريخ العربي الإسلامي تميزا، وأشدها اضطرابا وكانت ذات تأثير واسع وعميق في فترتها وفي المسار التاريخي فيما بعد، وهي الفترة من تاريخ الأندلس التي أدت إلى تفتت الدولة الواحدة القوية إلى ممالك ودويلات متصارعة، متناحرة فيما بينها، تكيد كل منها للأخرى. الأمر الذي أعطى للإسبان المتربصين فرصة الانقضاض عليها، فيما يسمى حروب الاسترداد.
 
هذا إضافة إلى محور يتناوله العمل الدرامي وهو مرحلة مصاحبة لتك العاصفة الأندلسية تمثل فترة صراع القبائل في المغرب من لمتونة وجدالة ومسوفة وغيرها من القبائل الصنهاجية والتي بدأت هي الأخرى تتداعى أمام حركة الجهاد التي انطلقت من رباط عبد الله بن ياسين للتوحد ثانية، تحت راية الإسلام لتقف دولة المرابطين على أشد أركانها بقيادة فرسان أمثال أبي بكر اللمتوني ويوسف بن تاشفين.
 
بينما تأتي معركة الزلاقة داخل هذا المسلسل كنقطة تحول في التاريخ العربي والإسلامي حيث هبت جيوش دولة المرابطين بقيادة القائد اللمتوني العظيم يوسف بن تاشفين عابرة البحر الأبيض المتوسط نحو الشمال لنصرة من تبقى من إخوانهم بعد التشرذم الذي لعبت بهم على إثره سيوف أعداء الإسلام, وبعد أن استنجد بهم حاكم إشبيلية المعتمد بن عباد لتعود الأندلس مرة أخرى قوية متماسكة بفضل التوحد والتمسك بالأسس الأولى للدين ونبذ الفرقة.
 
تتوالى الأحداث على هذا الأساس الذي يرتكز عليه  العمل الدرامي الملحمي متناولا هذه التناقضات التاريخية في دعوة إيحائية للمقارنة بين تلك الحقبة من التاريخ العربي الإسلامي التي دارت فيها أحداث هذا العمل، وبين هذه الحقبة من تاريخنا الذي نعيشه.


 
وقد اشتمل هذا العمل على خطأ تاريخي فادح حيث أن الكاتب بدأ تاريخ تأسيس دولة المرابطين بعد أن أصبح المعتمد بن عباد في الثلاثين من عمره مع أنها تأسست مع ولادته تقريبا.
 
وهذا ما يجذر الأسئلة السابقة التي طرحت في المقدمة فأين الخلل؟
 
المخرج جيلالي فرحاتي في أحد أعماله (أرشيف)

الأزمة مغربية

يرى المخرج المغربي جيلالي فرحاتي أن المشكلة في عدم إنتاج المغرب أعمالا درامية تقدم تاريخه المشرف وبأيادي كتاب مغاربة يعرفون هذا التاريخ ولمخرجين يدركون الأبعاد الفنية والاجتماعية والسياسية والتاريخية يكمن في عدم تجاوب التلفزيون المغربي إنتاجيا مع كل المحاولات التي تقدمت لإنجاز مثل هذه الأعمال، موضحا أن أي عمل درامي تاريخي يحتاج إلى تمويل مالي ضخم ووقت زمني طويل, وهو ما يتوفر –حسب رأى جيلالي– لدى الآخرين.
 
واعتبر أن هناك موجة غير مفهومة تتخذ من المغرب في كل شهر رمضان مسرحا خصبا للدراما.
 
ما حك جلدك مثل ظفرك
من ناحيته يرى المؤرخ المغربي الكبير الدكتور عبد الهادي التازي أن تاريخ أي أمة لا يكون صادقا إلا إذا حرر بأقلامها. وأضاف في حديث للجزيرة نت "وويل لأمة كتب تاريخها البعيدون عنها, وبحكم تجربتي الطويلة فإنه ما حك ظفرك مثل جلدك.. بمعنى أن ذلك التاريخ يكون ناقصا إذا كتبه غير أهله وفي بعض الأحيان يأتي مشوها".
 
"
المسلسلات لا يمكن بحال من الأحوال أن تنقل التاريخ نظيفا صحيحا كما هو بل تكون هناك نقائص وفراغات لا يمكن عرضها لسبب أو لآخر
"
ويؤكد التازي أن تاريخ المغرب بالذات تاريخ معقد يحتاج إلى البحث الطويل والتدقيق وهو ما كتب حوله -هو نفسه- 15 مجلدا، موضحا أن المغرب هو الجهة الوحيدة التي بقيت بعيدة عن التأثير العثماني الذي كان مهيمنا على البلاد العربية والإسلامية.
 
وحذر التازي من أن هذه المسلسلات لا يمكن بحال من الأحوال أن تنقل التاريخ نظيفا صحيحا كما هو بل تكون هناك نقائص وفراغات لا يمكن عرضها لسبب أو لآخر, مطالبا من يكتبون الدراما عن المغرب أن تكون مراجعهم مغربية لأن الكتابة –كما قال – تحتاج إلى ترميم.
 
التاريخ العربي واحد
إلا أن الكاتب الأردني الدكتور وليد سيف الذي قدم أعمالا كبيرة منها "صلاح الدين" و"صقر قريش" و"ملوك الطوائف" و"ربيع قرطبة" يؤكد في حديث خاص مع الجزيرة نت أن تناول التاريخ في الدراما ليس المقصود منه تقديم صورة وثائقية بل هو ربط  عملي بين الذائقة الجمالية وأسئلة الواقع متجاوزا المكان والزمان.
 
وليد سيف
وأضاف" ليس هناك تاريخ مغربي ومشرقي.. هذا كلام مرفوض وهذه التقسيمات ممجوجة.. هل عندما أكتب عن بغداد وهارون الرشيد يجب مثلا أن أكون عراقيا أو عن صلاح الدين أو الظاهر بيبرس يجب أن أكون مصريا؟.. بالطبع لا.. نحن نتحدث عن مجال وحيز تاريخي واحد بل إنني أستطيع أن أتناول تاريخا خارج إطار أمتنا ومعالجة ذلك ضمن شروط معينة.. فتختلف طرق التناول باختلاف المرجعيات".
 
واكد وليد سيف أن المشكلة لا تكمن في المراجع بل في عدم إتقان الكاتب لفن البحث والتدقيق كما أن المصادر يجب أن تكون مختلفة أندلسية ومغاربية ومشرقية وأجنبية، إضافة إلى ضرورة الاستفادة من باحثين مختصين بالموضوع, مؤكدا أن العمل الدرامي  يجب أن يخاطب الواقع وأن تكون عملية الإسقاط  مكتملة في وعي المشاهد بحيث لا يكون إسقاطا تعسفيا فجا.
_____________

المصدر : الجزيرة