يصل القارئ مع الانتهاء من قراءة كتاب "عصر الصورة" للناقد المصري شاكر عبد الحميد إلى ما يشبه اليقين بأننا نعيش في عالم من الصور تستعار فيه الأحلام والانتصارات والحروب والكوابيس.
 
في السطر الأول من الكتاب الذي أصدرته قبل أيام سلسلة عالم المعرفة بالكويت يلفت عبد الحميد أستاذ علم نفس الإبداع ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية الأنظار إلى قول الفيلسوف اليوناني أرسطو "لا تفكر الروح أبدا من دون الصور".
 
إلا أنها مقولة قد تبدو شديدة التواضع مقارنة بالعالم المعقد الذي تحولت فيه الصور بحضورها الكثيف وتأثيرها الطاغي في السنوات الأخيرة لا إلى أداة للتفكير فقط بل للتضليل أيضا.
 
وفي الكتاب يبدو الكاتب أشبه بجرّاح هادئ الأعصاب حين يسجل أن ثقافة الصورة التي بدت كوحش لا يردعه شيء في عالمنا هي محصلة للثورة التكنولوجية، إنها - كما يراها المؤلف- ميلاد لأداة في الإبداع والمعرفة حيث تحمل التكنولوجيا الإلكترونية الجديدة وعودا بتدشين حقبة جديدة من الحرية والمرونة في خلق الصور.
 
ولكن الثقافة الغربية المتفوقة التي أثمرت هذه التقنية العالية أفرزت أيضا نقادا نبهوا إلى خطورة استخدام الصور في الخداع وتحويلها إلى تكريس دكتاتورية تملك الحقيقة العلمية المطلقة, وهو ما حدا بالفيلسوف الفرنسي جان بودريار إلى إطلاق عبارته الشهيرة "إن حرب الخليج لم تقع بل شاهد الناس منها نسخة تلفزيونية".
 
ويقول عبد الحميد إن طبيعة تلك الحرب كانت مختلفة عما سبقها إذ انتقلت قنوات التلفزيون إلى قلب العمليات العسكرية التي بدت مجرد مشاهد بصرية في حين لم يشاهد المتابعون صور الموتى أو الضحايا فكثيرا ما كان يجري إبعادها عن الشاشات.
 
وأوضح أن "حرب الخليج لم تحدث بالمعنى التقليدي للحروب مشيرا إلى أن الحروب الأخيرة بما فيها حرب أميركا التي أسقطت نظام طالبان في أفغانستان كانت مجرد برامج يجري تصميمها وتنفيذها وعرضها ومشاهدتها على هيئة صور متدفقة يوميا.. إنها حروب تحدث عبر الواقع الأعلى عبر عالم الصورة إنه عالم يختلط فيه الواقع بالخيال ويتم فيه..التلاعب بالحقائق وبالصور ويكون الزمن الافتراضي فيه سابقا على الزمن الواقعي".
 
وقال إن عرض مشاهد الدمار والموت في الحروب التي ترتكب فيها جرائم القتل الجماعي على سبيل المثال تصيب بعض المشاهدين بالرعب ولكن الموت يتحول لدى آخرين إلى نوع من الرضا السري الضمني الخبيث على حد قوله، مضيفا أن ما يحدث في مثل هذه الحالات ليس إلا رغبة في تجنب المعرفة لأن المعرفة مؤلمة والتجاهل مريح.
 
يذكر أن عبد الحميد قام بتأليف عدة كتب منها "العملية الإبداعية في فن التصوير" و"الأدب والجنون" و"دراسات نفسية في التذوق الفني" كما ترجم كتبا منها "العبقرية والإبداع والقيادة" و"سيكولوجية فنون الأداء".


المصدر : رويترز