المحفوظ الكرطيط
يجمع عدد كبير من المثقفين العرب على نزاهة ومصداقية وتبحر المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون المنحدر من عائلة يهودية روسية الذي توفي الأحد الماضي بمدينة مرسيليا جنوب شرقي فرنسا والذي عرف بدراسته للإسلام من وجهة نظر ماركسية.

كما تجمع أوساط فكرية عربية عديدة على المكانة الخاصة لرودنسون في حقل الدراسات الاستشراقية والذي أغناه بعشرات الكتب والدراسات حول الإسلام يبقى من أبرزها كتاب "محمد" الذي أصدره باللغة الفرنسية عام 1961وقدم فيه قراءة ماركسية موثقة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد عرف رودنسون المتحدر من عائلة يهودية روسية، والذي توفي عن عمر ناهز 89 عاما، ببقائه على ما يصفه البعض بمفترق الثقافتين اليهودية والإسلامية وبعمله من أجل التقارب بين ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط عن طريق التعددية وحوار الثقافات حيث اتخذ عام 1968 موقفا من القضية الفلسطينية وأنشأ مع المستشرق الفرنسي جاك بيرك مجموعة الأبحاث والأعمال من أجل فلسطين.

ويقول جيرار خوري الباحث في معهد دراسات العالم الإسلامي في إكس-أون-بروفانس قرب مرسيليا إن "رودنسون ساهم في تعديل القراءة الطائفية للإسلام الذي لا يعجز حسب رأيه عن الدخول إلى الحداثة. إنه إسهام كبير على نقيض ما نشهده اليوم, من جهل بالإسلام".

نقد الاستشراق


رودنسون ساهم في تعديل القراءة الطائفية للإسلام وهو إسهام كبير على نقيض ما نشهده اليوم من جهل بالإسلام

الباحث جيرار خوري

وبالإضافة إلى إسهاماته في الدراسات الاستشراقية تميز رودنسون بكونه شارك بجرأة في الخطاب الذي اتخذ من الاستشراق موضوعا للتفكير والذي بلغ أوجه بصدور كتاب "الاستشراق" للمفكر الفلسطيني الراحل إدوار سعيد.

ورغم إقراره بأن الهدف العلمي كان من الدوافع الأساسية للدراسات الاستشراقية فإن رودنسون يتفق مع ما ذهب إليه إدوار سعيد من أن مبحث الاستشراق كان نابعا من نزعة مركزية أوروبية تجاه الشعوب المدروسة تتوخى أهدافا غير علمية.

وقد ذهب رودنسون بعيدا إذ اعترف بأن الدول الأوروبية وحكوماتها لم تكتف بالدافع العلمي للمعلومات التي جمعها علماؤها عن بلاد الشرق بل إنها استفادت منها لغزو هذه البلاد واستعمارها ووجدت فيها مساعداً قوياً لبسط هيمنتها على هذه البلاد ونهب خيراتها طوال أكثر من قرن.

ميزات علمية
يقول خوري إن ميزات رودنسون اللغوي والمتخصص في نحو ثلاثين لغة ولهجة تتمثل في تكوين نموذجي ودقة وصرامة أتاحتا له ولوج عالم العلوم من بابه الواسع, إضافة إلى مواقف سياسية شجاعة انطلاقا من معرفته بخفايا الثقافتين اليهودية والإسلامية".

ولد رودنسون لعائلة متواضعة في يناير/كانون الثاني 1915 من أب روسي وأم بولندية قضيا في أوشفيتز على أيدي النازيين. نجح رودنسون العصامي في السابعة عشرة في مباراة الدخول إلى معهد اللغات الشرقية ونجح لاحقا في شهادة البكالوريا. وفي 1937 تزوج ودخل إلى المركز الوطني للبحوث العلمية وانتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي.

وأكد خوري الذي يعرف رودنسون منذ ثلاثين عاما أن الفقيد "كان شخصا شديد التدقيق والتمحيص وموسوعيا كبيرا". وفي 1997 بدأ الرجلان حوارا نشر تحت عنوان "بين الإسلام والغرب".

وأوضح خوري "أن أعماله المعترف بها من قبل الأوساط العلمية, تصل في الوقت نفسه إلى العموم", وأن رودنسون "لم يكن يتخذ أبدا موقفا من دون الأخذ في الاعتبار كل الاحتياطات اللازمة إذ كان يخشى خدش الحقيقة العلمية وجرح الآخرين".

_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة + الفرنسية