كريم حسين نعمة- بغداد

بينما يتصاعد الجدل في أروقة مجلس الحكم الانتقالي بشأن قضايا الانتخابات والفدرالية وقضايا سياسية ملحة أخرى، تشهد مقاهي بغداد جدلا موازيا حيال هذه القضايا وغيرها بين نخبة من المثقفين والمواطنين الذين لا يتعاطون السياسة كمهنة.

ولا تعتبر المقاهي ظاهرة جديدة في الشارع العراقي، فهي موغلة في القدم واحتضت على مر السنين الفكر السياسي الشعبي طوال مراحل تاريخ العراق الحديث.

وفي شارع المتنبي قرب المدرسة المستنصرية التاريخية أنشئ أول مقهى ببغداد في العهد العثماني وعرف باسم جفانرادة. ويحتضن الشارع اليوم إرثا غنيا من المقاهي مثل مقهى أم كلثوم والزهاوي والشابندر وحسن عجمي.

وزارت الجزيرة نت هذه المقاهي والتقت عددا من روادها وهم خليط من كبار السن المتقاعدين والشباب ومعظمهم من العاطلين عن العمل.

وكان الكاتب حيدر عبد الفتاح أول من قابلناه في مقهى أم كلثوم. وقال إن المقاهي كانت في الماضي بمثابة المنتدى للكثير من السياسيين والشعراء والأدباء الذين لعبوا دورا وطنيا في تاريخ البلاد.

وحدثنا عبد الفتاح عن مقهى الزهاوي الذي سمي باسم الشاعر العراقي محمد جميل الزهاوي الذي كان يلتقي في المقهى مع نخبة المجتمع في نهاية الخمسينيات، كما كان الشاعران معروف الرصافي ومحمد مهدي الجواهري وعالم الاجتماع المعروف علي الوردي يلتقون جميعا في مقهى الزهاوي أيضا.

أوميد مدحت قال إن المقاهي العراقية أنجبت الكثير من الحركات السياسية والأدبية (الجزيرة)
وأكد أن القضايا الملحة التي يناقشها رواد المقهى هي تلك المتعلقة بأمورهم المعاشية لا سيما المتقاعدين الذين يشكون من ضعف رواتبهم (حوالي 180 دولارا كل ثلاثة أشهر) وغياب الأمن. وشدد على أن المحور السياسي هو الشغل الشاغل لمعظم رواد المقهى لا سيما ما يتعلق منه بالمسار السياسي الجاري حاليا في البلاد.

وفي المقهى نفسه التقينا عضو جمعية حقوق الإنسان العراقية أوميد مدحت الذي قال إن المقاهي العراقية أنجبت الكثير من الحركات السياسية والأدبية العراقية، وكانت منتديات لتبادل المعلومات وطرح مختلف الأفكار السياسية والأيديولوجية والأدبية.

كما لعبت هذه المقاهي في خمسينيات القرن الماضي دورا كبيرا في تنشئة ودعم الحركة الفكرية العراقية لا سيما مقهى النعمان في الأعظمية التي كانت تحتضن التوجهات القومية المؤيدة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وفي مقهى الزهاوي المجاور قال علي عبد الكاظم سلمان (25) عاما ويعمل في القطاع الخاص, إن البطالة التي تعصف بالبلاد والناجمة عن تسريح أفراد الجيش السابق وحل الوزارات دفعت الشباب العاطلين عن العمل لارتياد هذه المقاهي.

أما المشرف التربوي حسن حمادي وهو من رواد مقهى حسن عجمي فأكد أن هذه المقاهى كانت تقع قبالة مسجد الحيدرخانة الذي انبثقت منه الثورات المعارضة للعثمانيين والاستعمار البريطاني. وقال إن أغلب رواد المقاهي البغدادية حاليا هم من الشباب والأدباء الجدد حاملي لواء الحداثة وشريحة من المتقاعدين.

وفي مقهى الشابندر المجاور قال الكاتب والباحث رفعت عبد الرزاق محمد إن تظاهرة كبيرة انطلقت من هذا المقهى عام 1948 وأسقطت حكومة صالح جبر وألغيت معاهدة (جبر بيفن) البريطانية العراقية التي أبرمت آنذاك.

المشهد التاريخي

مقهى أم كلثوم يرتاده عشاق كوكب الشرق (الجزيرة)
وسألت الجزيرة نت المحلل السياسي وليد الزبيدي عن دور المقاهي البغدادية في تحديد المشهد السياسي العراقي في التاريخ الحديث، فقال إنها منتديات ثقافية تشبه إلى حد كبير المنتديات الموجودة في عواصم عربية وعالمية مثل القاهرة وبيروت ودمشق وجنيف وباريس، وهي منبر للحوار بين السياسيين والادباء.

وقال إن المقاهي كانت في السبعينيات ملتقى للحوار بين المثقفين الشيوعيين والأكراد أثناء تشكيل الجبهة الوطنية آنذاك، وفي الثمانينيات غاب عنها الشيوعيون ومثقفون آخرون ممن كانوا على خطوط الجبهة أثناء الحرب مع إيران، في حين تحولت أثناء سنوات الحصار في التسعينيات إلى ملتقى لما عرف بثقافة "الاستنساخ" حيث كان روادها يصورون الكتب على آلة التصوير ويتداولونها في ما بينهم.

وأشار الزبيدي إلى أن المرحلة الحالية هي الأخطر في تاريخ المقاهي لسببين، الأول أن دورها سيكون مؤثرا سلبا على مستقبل الوطن في ضوء الجو المشحون بالتوتر السائد في البلاد، والثاني أنها يمكن أن تكون البوابة لدخول المجتمع العراقي للتضامن والتكاتف إذا حمل المثقفون لواء التسامح والمصالحة على نحو يؤثر على توجهات السياسيين الذين يتحكمون بتحديد مستقبل البلاد.
________________________________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة