ممدوح عدوان هل بقي لديه ما لم يقله؟
آخر تحديث: 2004/12/31 الساعة 15:15 (مكة المكرمة) الموافق 1425/11/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2004/12/31 الساعة 15:15 (مكة المكرمة) الموافق 1425/11/20 هـ

ممدوح عدوان هل بقي لديه ما لم يقله؟

 
يقول مظفر النواب "قليل من الناس من يترك في كل شيءٍ مذاقا. وممدوح عدوان واحد من هذا القليل فهو الشاعر والكاتب المسرحي، والكاتب الدرامي والصحفي والمترجم والمثقف الصاخب، الحاضر دائماً بحيوية يُحسد عليها وفي كل هذا وذاك هو ممدوح الإنسان الذي يترك نكهته بكل ما تلمسه أصابعه حتى بات واحداً من أعلام المشهد الثقافي السوري".
 
الأديب ممدوح عدوان غول الأدب السوري كما سماه النقاد قال كلمته وارتحل تاركا إرثا ثقافيا ضخما وموقفا سياسيا قويا, رحل ممدوح عدوان لكنه باق بين طيات الكتب التي تبقى كلماتها صدى يرددها الجميع، كما رددتها قريته قيرون التي شهدت قدومه للوجود ولم تشهد رحيله.
 
تألق عدوان مع جيل الستينات في سورية، في الشعر، والرواية والمسرح، والصحافة، وكان له الفضل في ترجمة أعمال مهمة أضافت إلى المكتبة العربية الكثير حيث ظل رغم المرض وحتى في أيامه الأخيرة يشتغل في حقل الإبداع متطلعا إلى الحياة والموت بقوة وشجاعة دونما ترنح أو جزع مستخدما كل أساليبه المعروفة في قتل الوجع.

كان الأديب الراحل مشاغبا أدبيا لكنه كان ناضجا في مشاكسته يستخدم سلاحه بعمق رؤية وبعد فلسفي حتى في معالجاته مثلما حصل له بظرافة مع ما كتبه الشاعر الكبير صاحب "حزن في ضوء القمر" محمد الماغوط.


 
حيث قال عدوان  "إنني أردت تبني أسلوب الماغوط دون أن أتخلى عن أسلوبي. إنه الشيء الذي يسميه النقاد الجدد التناص ولكنني أردت ان أضيف كلمة "التلاص" أيضا فأنا قد سطوت فعلا على أشعار الماغوط".
 
بهذه الروح الأدبية والإنسانية الراقية يمكن أن نفهم الشاعر والروائي الكاتب الراحل وأعماله.


 
في المسرح والرواية والشعر
في مسرحية من أعماله تحت عنوان (أيام الجوع) يتحدث الكاتب الراحل عن المجاعة التي مرت بها منطقة بلاد الشام في مرحلة الحرب العالمية الأولى في ظل الاحتلال العثماني، وهي أهم المراحل التي مرت بها هذه المنطقة وشكلت ملامح تاريخها المعاصر، من حكم جمال باشا إلى تراجع الدولة العثمانية أمام غزو الاستعمار الأوروبي، ومن ثورة الشريف حسين إلى وعد بلفور. إن هذا النص المسرحي يضيء مرحلة هامة من تاريخنا الحديث، مرحلة مغيبة عن وعي أجيالنا، لا تزال لها امتدادات في واقعنا الراهن.
 
وكما الرواية وفي قصيدة من قصائده وهي "عزف منفرد" يؤكد الشاعر على أنه هارب إلى الوحدة إلى ذاته "مع كأسه وأحلامه" في ظلمة اختارها بعد انكساره, هروب من حياة شوهها الآخر الذي أغواه كثيرا وفي لحظة تخلى عنه كما الشعر.
 
خرج إلى وحدته يرسم حياة هو يريدها هو يخلقها ويلفظ حياة كان أو من الممكن أن يكون لآخر فيها دور أو أثر من قلق,  إنها قصيدة تشي مقاطعها بانكسار داخلي في الشاعر وكأن الشعر تسبب فيما آل إليه وضعه إنه الهروب ودفن النفس داخل ذاتها بعيدا عن الآخر الذي ساهم في رسم جزء من لوحة كانت من المتوقع أن تكون زاهية جميلة ذات قيمة لكنها أصبحت أسى وحزنا وضياعا وانكسارا وهروبا.
 
كتب الراحل –أيضا- الدراما التلفزيونية، حيث يقول "كنت أبحث عن الصلة غير المرئية في النفس البشرية. إنسان اليوم الموجود حولنا نراه في الدراما السائدة ضمن نمط واحد، فمعظم الأعمال الدرامية تقدّم لنا نمط الشرير أو الخائن والخائنة إلى الشريفة أو المرابي.. إلخ هذه كلها أنماط، وهذا أسوأ ما في الدراما".
 
لقد أراد مما كتبه في مسلسل الزير سالم وغيره أن يبيّن كل شخصية كما هي، فكل شخصية قادرة على الدفاع عن سلوكها، حتى اللص، يمكنه أن يبرر، لماذا هو لص، متكئا في ذلك على  الثقافة كما في الشعر والمسرح سواء كان الحدث واقعياً أو تاريخياً.
 
يقول ممدوح عدوان إنه عندما ترجم السيرة الذاتية لكازانتزاكي (تقرير إلى غريكو) لمس التقاطع بينه وبين كازانتزاكي بأن الوقت ضيق جداً، لأن حجم الأشياء التي يتعامل معها أكبر وأوسع بكثير من الوحدة الزمنية المتاحة, ويضيف أنه رغم  كل ما أنجزه لا يزال يحس فعلاً أن هناك أشياء في داخله لم يعبّر عنها بعد.
 
فهل بعد رحيله عن 24 عملاً مسرحياً، بالإضافة إلى روايتين، وثلاثة وعشرين كتاباً مترجماً منها الإلياذة والأدوية وسيرة جورج أورويل وعدة مسلسلات تلفزيونية بقي شيء لم يعبر عنه.


 
_____________________
 
المصدر : الجزيرة