سيدي محمد

"نحن نساق بالطبيعة إلى الموت ونساق بالعقل إلى الحياة".. بعبارة أبي حيان التوحيدي هذه بدأ الكاتب الراحل محمود المسعدي روايته "مولد النسيان". لقد قالها في صمت ورحل تاركا وراءه ظمأ القلم يشتعل وورق الحياة والرواية تدب فيه روح الموت ويولد فيه النسيان كما عنون روايته السابقة.

رحل المسعدي الذي أسس أهم وأعمق التجارب الروائية في المغرب العربي لتسبق تونس محيطها المغاربي إلى كتابة رواية مكتملة بالمعنى الفني منذ ظهور رواية "حدث أبو هريرة قال" التي وضع فيها الكاتب قلبه كله وعقله كله وبراعته الفنية وإتقانه الممتاز للغة العربية.

يقول الناقد صلاح فضل إنه "بعد ثلثي قرن من كتابة الآثار الإبداعية لهذا الرجل فإنه لا يمكننا أن نزعم البراءة الخالصة في قراءته، فتراكمات الكتابة العربية من قبل ومن بعد، وملابسات التكوين المشتبكة مع النصوص ذاتها، وأطياف التأجيل المقصود للنشر لعقود طويلة، ثم أدبيات التأويل اللاحق.. كل ذلك يحمل القراءة النقدية لمستويات عديدة من منشور الضوء المتراكب، حتى إذا انبعثت دلالة أساسية من بين طيات هذه السدف كانت مفعمة بالترجيع، غنية بالأصداء، غارقة في تاريخ التذوق الأدبي للثقافة المحدثة".

حاجة هذا النوع من الكتابة -الذي تميز به المسعدي- لمعاودة القراءة كانت جلية منذ انطلاقتها الأولى، فالعملان الرئيسيان للكاتب الراحل وهما مسرحية "السد" الذهنية وقصة "حدَث أبو هريرة قال" كتبا في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، لكن القطعة الأولى احتاجت 16 عاما من التدبر والمعاودة حتى نشرت عام 1955 بعد انتقال صاحبها –على حد تعبيره– من عهد الانفراد والتأمل إلى عشرة الناس والعمل معهم وانخراطه في النضال النقابي والوطني. أما الثانية فقد ظلت حبيسة الأدراج ثلث قرن كاملا حتى رأت النور عام 1972.

ولم يكن هذا من قبيل الصدفة بل كان فيما يبدو جزءا من مخاض أليم وولادة عسيرة، وربما كان طه حسين –الذي احتفى نقديا بمسرحية "السد" وكتب عنها إثر صدورها– المسؤول نسبيا عن حجب "حدَث أبوهريرة قال"، فصمت طه حسين عن الرد حتى وفاته يوحي برأيه النقدي في تحمل أمانة نشرها. وأغلب الظن -كما يرى بعض النقاد- أنه كان يريد للكاتب الشاب حينئد أن يكمل مبادرته الإبداعية بجسارة النشر التلقائي دون سند.

وهنا نقتبس بعض سطوره في الحفاوة بأختها التي طبعت من قبل, إذ يقول عن السد "إنها قصة تمثيلية رائعة ولكنها غريبة كل الغرابة، كتبها صاحبها الأديب الأستاذ محمود المسعدي لتقرأ لا لتمثل، ولتقرأ قراءة فيها كثير من التدبر والتفكير والاحتياج إلى المعاودة والتكرار". ويضيف طه حسين أنه قرأها مرتين ثم احتاج إلى أن يعيد النظر فيها ويصفها بأنها أشبه بالأدب الجد العسير من أي شيء آخر.

إن قصص المسعدي فلسفية كأحق وأدق ما تكون الفلسفة، وتستطيع كذلك أن تقول إنها قصص شعرية -كما يقول طه حسين- كأروع وأبرع ما تكون ولاغرابة في ذلك. 

عرف الراحل بثقافته الواسعة وتوفيقه بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأوروبية، كما اقتبس من التراث العربي الشكل القصصي القديم كالحديث والمقامة والسيرة.

وقد ترك المسعدي أعمالا أخرى باللغة الفرنسية غير التي اشتهر بها منها "الإيقاع في السجع العربي" وهي أطروحة دكتوراه. وقد ترجمت معظم رواياته إلى اللغتين الفرنسية والهولندية.

يذكر أن الراحل ولد عام 1911 في ولاية نابل، وحفظ القرآن قبل أن يتابع بتونس تعليمه الأولي والثانوي ثم سافر إلى فرنسا للدراسة بجامعة السوربون وحصل على شهادة التبريز في اللغة والآداب والحضارة العربية عام 1937.

كما تقلد المسعدي في سنوات الاستقلال الأولى عدة مناصب سياسية إذ عهد إليه من 1958 إلى 1968 بوزارة التربية القومية وانتخب عضوا بمجلس النواب أواخر الستينيات ورئيسا له عام 1981.

يرحل الأديب والروائي لكن تبقى أحاسيس أمته التي رسمها بدمه وقلمه تاريخا مشرفا زرعه بأنامله باقيا بعده لا تزعزعه صروف الدهر ولا هنات الأجيال بعده.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة