دريدا جمع بين التنظير والممارسة
المحفوظ الكرطيط
توفي قبل أيام جاك دريدا أحد آخر كبار رموز الفكر الفلسفي في فرنسا والذي اشتهر في الأوساط الأكاديمية العالمية والأميركية خاصة بنظريته التفكيكية وبانخراطه في كبريات السجالات السياسية.
 
وتتلخص تفكيكية دريدا (74 عاما) في نقد المركزية الأوروبية في تشكلاتها الأكثر حداثية من خلال مساءلة جذرية لكل المقولات الميتافيزيقية التي انبنت عليها الفلسفة الغربية منذ المرحلة اليونانية إلى العصر الحديث.
 
وقد أضفى دريدا على تلك المقولات تحويرات جديدة وفرض عليها استعمالات لم تكن متوقعة. وهكذا هاجر بتلك المفاهيم من حقل المجرد ليجد لها ملاءمات في حقول أخرى كالآداب والفنون التشكيلية والهندسة المعمارية.
 
وقد وجدت التفكيكية التي يعرفها صاحبها أساسا كموقف تشكيكي من كل مركزية أوروبية، أكبر تطبيقاتها في المجال اللغوي حيث قلبت إحدى المقولات الأساسية في الفكر اللساني الغربي المبنية على أسبقية الكلام على الكتابة ونحتت مفهوما جديدا يدل على تساوق الاثنين.
 
لكن دريدا لم يحصر اهتماماته في المستوى النظري الصرف وإنما كان دائما منخرطا في كل القضايا الراهنة. ولفت الانتباه مبكرا بانتقاده للسياسة الاستعمارية لفرنسا في الجزائر وعاش تجربة السجن وجاهر بمنافحته للقمع وللأنظمة الشمولية.
 
في السنوات الأخيرة من مشواره انصب تفكيره على موضوعات الحياة والموت والبقاء والحداد الأصلي وما يرتبط بها من مفاهيم كالأثر والشبح.
 
"
دريدا : "أفترض أنني إذا كنت أحب هذه اللغة كما أحب الحياة، وفي بعض الأحيان أكثر مما يحبها بعض الفرنسيين الأصليين، فلأنني أحبها كأجنبي تم استقباله وتملك تلك اللغة لأن ذلك كان هو الخيار الممكن".
"
عشق اللغة الفرنسية
وعلى المستوى اللغوي يعتبر دريدا -الذي ترك وارءه نحو 80 كتابا أشهرها "الكتابة والاختلاف"- نفسه المدافع الأخير ومجسد اللغة الفرنسية، حيث يربط حبه للحياة بتلك اللغة التي يعتبرها جزءا من تكوينه.
 
وفي آخر حوار مطول مع اليومية الفرنسية لوموند قبل أقل من شهر على وفاته، قال دريدا -وهو اليهودي الذي رأى النور في الجزائر عام 1930 ولم يرحل إلى فرنسا إلا عام 1949- إن ما يهمه هو أن يترك وراءه آثارا في تاريخ اللغة الفرنسية.
 
وعن سر علاقته الغريبة بلغة موليير يعترف دريدا "أفترض أنني إذا كنت أحب هذه اللغة كما أحب الحياة، وفي بعض الأحيان أكثر مما يحبها بعض الفرنسيين الأصليين، فلأنني أحبها كأجنبي تم استقباله وتملّك تلك اللغة لأن ذلك كان هو الخيار الممكن".
     
دريدا والعالم العربي
كان دريدا دائم الحنين إلى وطنه الأم الجزائر وربطته علاقات كثيرة مع أسماء فكرية عربية كثيرة أبرزها إداور سعيد، إذ كان بين الرجلين احترام متبادل وعلاقة صداقة لكنها لم ترق إلى سجال فكري على ضوء الخلافات بينهما في المجال السياسي.
 
لكن التاريخ سيحتفظ لإدوراد سعيد بكونه لعب دور القنطرة في إدخال تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة إلى الجامعات الأميركية ومنها التفكيكية والبنيوية والفينومينولوجية.
 
وإذا كان صاحب "الاستشراق" قد فتح رحاب الجامعة الأميركية أمام دريدا ومعاصريه فإن النظرية التفكيكية وجدت طريقها إلى المجال الأكاديمي العربي عن طريق نخبة من أساتذة الفلسفة بالجامعات المغربية الذين استوعبوا الدرس التفكيكي وترجموا بعض كتابات صاحبه إلى اللغة العربية. كما ترجم الباحث والشاعر العراقي كاظم جهاد عددا من نصوص دريدا إلى لغة الضاد.
 
غير أن التعامل مع فكر دريدا لم ينحصر في مستوى التدريس والترجمة بل تعداه إلى المستوى الإجرائي، حيث استلهم المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي النظرية التفكيكية في بداية الثمانينيات واستعملها في كتابه "النقد المزدوج" للتفكير في قضايا الهوية والاختلاف عبر مساءلة الموروث الثقافي العربي الإسلامي ونقد النظريات الفكرية الغربية السائدة.
 
وقد تمخضت صداقات دريدا الواسعة مع عدد من المثقفين العرب المقيمين في فرنسا مؤخرا عن تبلور مشروع لتأسيس رابطة للدراسات التفكيكية في العالم العربي.

_____________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة