الحبيب السالمي فنان في نقل أجواء الريف التونسي
مرة أخرى يطل الكاتب التونسي الحبيب السالمي في روايته "أسرار عبد الله" بسردية سيالة جذابة تحول المعقد في الحياة إلى بساطة نفاذة ربما كانت نادرة في الروايات العربية هذه الأيام.

وفي عمله الأخير هذا سمات برزت في نتاجه السابق خاصة في رواية "عشاق بيه" ومنها قدرته على جعل بعض يوميات الحياة المحدودة في عالم ريفي صغير, إطارا يتحرك ضمنه العالم الكبير بكثير من مشكلاته الأساسية, وقد ارتدت ثوبا محليا يجمل إنسانيتها ولا يخفيها. وقد صدرت الرواية عن دار الآداب في بيروت في 220 صفحة متوسطة القطع.

السالمي في قدرته على تحويل أمور باردة حينا أو قاسية حينا آخر إلى سرد يسيل دفئا على خلاف كثير من الأعمال القصصية العربية الحالية التي تبدو كأنها تحول كثيرا من المشاعر والأوضاع البشرية إلى عمليات فكرية ذات صفات آلية, يعيد في هذا المجال تحديدا, ربط روايته بطابع كتابته الخاص المميز بسمات, تذكر بنهج بعض أعمال نجيب محفوظ.

تتركز الرواية على شخصية رئيسية واحدة هي شخصية عبد الله الذي طلق زوجته "العكري" لأنها لم تنجب له صبيا وتزوج خديجة وهي في عمر إحدى بناته فولدت له صبيا واحدا.

تبدأ الرواية بخديجة ومتعة شرب الشاي التي حرمها عليها زوجها والتي تحولت لديها إلى شبه طقس أو ممارسة سرية خوفا من قدوم الزوج الذي كان يعتقد أن "المرأة الصالحة التي يعول عليها حقا لا يليق بها بتاتا أن تشرب الشاي وأن تمضغ اللبان أو تضحك كثيرا أو تتكلم بصوت عال أمام الرجال".

تصرف خديجة
نمط تصرف المرأة, وهي هنا خديجة في البيت يختصر بهذا القول "تدخل خديجة لالتقاط أي إشارة تصدر عنه أو أي أمر لتلبيته على الفور". كان يملأها فخرا أنه اختارها من بين كثيرات لتكون زوجته ولكنها منذ الصغر تشعر أن كثيرا من الناس في الجوار يكنون له احتراما ممزوجا بقليل من الخوف حتى بعد أن أحيل على التقاعد ولم يعد يشتغل دركيا في حكومة الباي للقبض على اللصوص والمجرمين في الأرياف.

 كانت تعرف أن لديه أملاكا وعقودا وتسمع ما يشاع عن ظلمه للملاكين الذين اشترى أرضهم عندما كان دركيا كانت الأرض عنده كل شيء فمن لا أرض له لاقيمة له.

ويضيف السالمي "بلغه خبر أزعجه هو أن عصابة تهجم في قلب الليل على بيوت الأعيان والأغنياء وتقتلهم ذبحا وتمثل بجثثهم" وللتغلب على الخوف لم يكن أمامه إلا بندقيته وأن يشغل نفسه بثلاث نساء هن زوجته وزوجته السابقة وثالثة خطبها ولم يقترن بها.

قدرة الوصف
والسالمي فنان في نقل الأجواء وظلالها في وصف حي موح ينقل مثلا بعض انطباعات عن أيام الأعياد فيقول "ترى الكلاب أولا هزيلة وسائبة" وللمرة الأولى ننتبه إلى أن الكلاب تنبح أكثر في مثل هذه المناسبات، هرج العيد يهيجها وتزداد نباحا وحركة عندما تنتشر في الفضاء رائحة الذبائح ثم رائحة اللحم المشوي والمطبوخ.

ونجده في مجال آخر ينقل حالة كأن الطبيعة صارت في حالة قيلولة إذ يقول "تنظر خديجة بدورها إلى الطريق, صمت الظهيرة بدأ يعم كل شيء حولها لا حركة ولا صوت سوى أزيز, صراصير لا تدري أين تختبئ في مثل هذا الوقت, الذي يشتد فيه الحر".

وخوفه من الموت جعله يسعى إلى مصالحة زوجته السابقة يقول لنفسه "من لي غيرك في هذه الدنيا الغدارة يا عكري" كانت هي الوحيدة التي يستطيع أن يخبرها عن خوفه وكأنها أم وهو طفلها.

وتزداد الأخبار تضاربا ويختلط الخوف بالشك والتساؤل وبمظهر من مظاهر التحدي كي لا يقال عنه إنه خائف يتساءل هل ابتعد الناس عنه لأنه سيقتل أم شفقة عليه.



المصدر : رويترز