عمان - منير عتيق

ذهب نقاد عرب في ندوة "القصيدة والحدث" التي أقيمت ضمن فعاليات مهرجان جرش الثاني والعشرين إلى أن الشعر الحقيقي هو الذي ينبع من أرض التاريخ ويعيد تأليفه وترتيب ذراته ليكوّن الحدث.

وقال الناقد الأردني فخري صالح إن الشعر يبدو مسكونا بالتاريخ بصورة سرية في لحظاته الأكثر كثافة، رغم محاولته الدائمة التخلص من أرضيته وتحرير نفسه من الاشتباك بنسيج اليومي والعارض.

وأضاف أن هذه الرغبة تسكن كثيرا من شعر العرب في القرن العشرين، مما أنتج كثيرا من الشعر الأثيري ذي النزعة الميتافيزيقية وابتعد بالكتابة الشعرية عن مصادرها اليومية حتى أسكنها الشاعر برجه العاجي.

غير أنه بالمقابل يقر أن هذه النزعة الأثيرية الشعرية تقابلها نزعة مضادة لا ترى في الشعر سوى انعكاس لليومي والحدث العارض، فتسعى إلى تسجيل وقائع التاريخ أولا بأول وتتشبث بالأحداث الكبرى.

ورأى صالح أن الشعر الحقيقي لا يسكن في أرض هذين النزوعين المتباعدين بل فيما يؤلف بينهما, وضرب مثلا على ذلك بشعر بدر شاكر السياب المسكون بالمعجم الأسطوري، فليس بالإمكان قراءة شعره الذي أنجزه على خلفية تاريخ سياسي واجتماعي عاصف ودام دون رؤية النسيج المعقد الذي يربط السياب بزمانه، وعلاقة الشاعر الرائد بالتحولات التاريخية التي صنعت عصره.

ويضيف أنه في السياق نفسه تبدو علاقة أدونيس بالتاريخ، كما أن هناك نموذجا إشكاليا آخر في العلاقة بين الشعر والتاريخ اليومي يمثله عمل محمود درويش، فعلى الرغم من أن هناك انشباكا واضحا بين شعر درويش والتاريخ اليومي طوال مسيرته الشعرية فإن هذه العلاقة المعقدة التي تقوم بين قصيدته والحدث السياسي -بصورة خاصة- قد فهمت خطأ في النقد العربي المعاصر من خلال تأويل كتابة درويش الشعرية بوصفها انعكاسا لقضيته الكبرى "فلسطين".

من جانبه قال الناقد السوري صبحي حديدي "إن الشعر أمر خطير وإن الشاعر لا يستطيع إدارة الظهر للحدث الفاصل"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الشعر حين يقترن بالحدث فإن ولادة 13 ألف قصيدة لا تعني ترجيح كفة الشعر إلا بالمعنى الكمي المحض أولا، كما لا تعني بالضرورة ولادة الكثير من نماذج الشعر الجيد ثانيا.

وأشار حديدي إلى أن قصيدة محمود درويش "محمد" تعتبر واحدة من أفضل النماذج على شعر الشهادة من جهة أولى، ومن أفضل الأمثلة على جدل العلاقة بين الشعر والحدث من جهة ثانية.

وتساءل حديدي عن الفارق بين صورة العالم كما تبدو عند وقوع الحدث، وصورة العالم ذاته كما تلتقطها القصيدة المنشغلة بالحدث.

وقد شارك في الندوة الناقد المغربي رشيد يحياوي بورقة نقدية أبان من خلالها أن القصيدة لا تكون قصيدة بمجرد تعلقها بحدث معين، ولكن تكون كذلك بقدر عمق إدراك الشاعر وتلقيه للمخفي في الحدث نفسه، ولهذا الاعتبار قد لا يؤثر الحدث الكبير في الشاعر ويؤثر فيه الحدث العابر والعكس صحيح.

وفي ختام تناوله أشار يحياوي إلى وجود حشد كبير من القصائد التي كتبت بمناسبة الحدث المذكور، قائلا "لاحظت في الوقت نفسه أنه لم يندرج بشكل مباشر في ما يسمى بشعر النضال والثورة والمقاومة"، وذلك بخلاف ما طمح إليه الرأي العام الثقافي على المستوى الوطن العربي.

المصدر : الجزيرة