المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساغو (الجزيرة)
المختار ولد أكاه*
كثيرا ما وجد المغنون والممثلون في موريتانيا أنفسهم بين فكي كماشة طرفاها الدين والمجتمع، بين القول بحرمة أعمالهم ونبذهم كأشخاص من المجال القيمي الاجتماعي فيستحيلون إلى مسخرة ومعرة لا وزن لها ولا قيمة.

وتمنع القيم والتقاليد الشعبية الموريتانية السائدة ممارسة الأفراد لفن التمثيل أو الغناء باعتباره عملا ساقطا يضيع هيبة الرجال ويجلب المهانة لقبائلهم والمقربين منهم.

وتحت هذه العصا الاجتماعية الغليظة كثيرا ما يضطر المشتغلون في السينما والتمثيل إلى ترك أعمالهم ووأد جذوة الإبداع في داخلهم خشية التحقير والنبذ الاجتماعي, وهذا المعطى السوسيولوجي القائم إضافة إلى بعض العوامل الثقافية والاقتصادية شكل عائقا صلبا أمام صناعة السينما في موريتانيا، حيث ظل البلد بمنأى عن صناعة الفن السابع رغم فضائها العربي والأفريقي اللذين عرفا السينما منذ عقود من الزمن.

وقد شكل ظهور الفيلم الموريتاني "في انتظار السعادة" للمخرج عبد الرحمن سيساغو ثورة على المستوى القيمي الاجتماعي الداخلي لأن جميع الممثلين فيه موريتانيون. أما على المستوى الخارجي فقد أثار الفيلم بلمساته وتواقيعه الإخراجية انتباه النقاد والمتعاطين لفن الصناعة السينمائية محدثا شبه إجماع من النقاد على دقته العالية في التعبير بأقصر الجمل وأبسط الإمكانات.

"في انتظار السعادة" صحراء رحبة شاسعة تلقي بحبيبات الرمل في كل اتجاه، محدثة صفيرا وعويلا يجسد الصحراء المنعزلة المقفرة, فعلى الطريق سيارة أجرة تقل مجموعة من المسافرين الصامتين وأعينهم مصوبة نحو شيء ما لم تتحدد معالمه بشكل دقيق، من بين المسافرين الفتى عبد الله شاب يافع في مقتبل العمر يحلم بالهجرة إلى أوروبا، فمن خلال الكاميرا على ملامحه يتضح أنه الشخصية المركبة في الفيلم.

عبر هذه الصورة المتحركة يلج عبد الرحمن إلى عوامل انتظاريته مبتدئا بالإفصاح عن شخصياته في تناغمية دقيقة لا تتيح فرصة للامعنى حيث يبدو كل شيء ناطقا وحيا يتكلم.. الصحراء والمدينة والمجتمع واللغة والبحر.

كلها عوالم وعوامل تشارك في رسم الشخصيات وتحديد الأدوار في تعاضدية فذة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي عبر رومانسية شعرية موغلة تكاد تطغى على مختلف مشاهد الفيلم معززة بنغمات عذبة من الموسيقى العذبة تطلقها أوتار "الآردين" تلك الآلة الموسيقية الموريتانية التي ترمز للحنين والضعف والجمال باعتبارها آلة نسائية خالصة.

ورغم هذه الشحنة الشعرية العالية فإن الفيلم لا يقدم "رواية شرقية بختامها يتزوج الأبطال"، كما لا يعتمد سردا أفقيا محكما يتكئ على الشخصيات المكافحة أو المتصارعة في ما بينها, بل هو مجموعة من الأقواس والاستفهامات الضمنية المرتبطة بحياة مخرج بشكل خاص وبالمجتمع الموريتاني عموما.

وقد اختار المخرج مدينة نواذيبو لتكون مسرحا حياتيا لشخصياته، ولم يكن اختياره اعتباطيا لهذه المدينة، هي مدينة العابرين الغرباء والمسافرين الباحثين عن فرصة للعمل كما أنها الواجهة الحقيقية لأوروبا والعالم.

لكننا نفاجأ بسيساغو عندما يقلص ملامح المدينة ليفصلها على مقاس انتظاريته فتبدو صغيرة حالمة متناغمة مع سكانها وكأنها تتجاذبها أطراف الحديث، وتتحدث لغة الصمت المختزلة في هياكل سفنها الخربة وشرطتها المنهكة وجثث المسافرين حيث يتقيؤهم البحر على أطرافها.

لهذه المدينة الناطقة يأتي عبد الله الشاب الموريتاني الذي ترعرع في مالي ليسكن مع أمه في انتظار أن تستخرج له جواز سفر يمكنه من الهجرة إلى أوروبا حلمه الحقيقي, وفي انتظار سفره يواجه عبد الله غربة داخلية مع ذويه والمقربين منه تتمثل في حاجز اللغة، فهو لا يجيد اللغة العربية وكثيرا ما كانت محاولته التكلم بها مبعثا للضحك من بنات عمومته.

تأتي بعد ذلك الانعزالية ليسكن الشاب مع أمه في غرفة مظلمة تتخللها فتحة على شكل نافذة من خلالها يطل عبد الله على المدينة يتحسسها ويكتشفها حيث تختلط أرجل العابرين رجالا ونساء فيشكل ذلك نوعا من التسلية للفتى المنعزل الذي يعاني من البطالة والفقر والانتظار.

ويمكن أن نقول إن هذا المخرج قارب التوفيق حينما حاول التنصل من منعرجين، وهما العبثية والعدمية المفرطة أو الطوباوية والمثالية المجنحة، إذ سلك طريقا ثالثا قوامه الاعتدالية والنقل الأمين لتصورات وخوالج الأفراد وما يعتري دواخلهم ومحيطهم الطبيعي مبقيا على شرك الانتظار.. انتظار الرحيل، وانتظار الموت، وانتظار الحب، وانتظار العمل، وانتظار السعادة.

وقد تحملت الكاميرا العبء الأكبر في نقل المشاهد دون الأفراد، وهو ما يؤكد وعي المخرج وحذره من خطوط التماس السياسية، فمثلا تقدم الكاميرا مشهد أحد الأجانب وهو يحاور أحد الصيادين البسطاء وهو يقايضه بمنظار صغير، تنتقل الكاميرا مباشرة إلى البحر لتنقل مشهدا لإحدى السفن الأجنبية الكبيرة التي تكاد تضاهي حجم المدينة نواذيبو وهي تأخذ أسماكها, فالكاميرا تقول بصمت إن المقايضة خاسرة.

رغم أن سيساغو عاش أغلب عمره بعيدا عن وطنه الأم فإن فيلمه "في انتظار السعادة" كان ميلاد ألفة جديدة بينه وبين وطنه، لقد كان استعادة منه لتلك الذاكرة المنسية بين أحضان الرمال حيث أبدع الرجل في توظيف وتصنيف الخصائص الاجتماعية الموريتانية ورسمها بشكل دقيق لا يستشعر فيه بأي تكلف أو افتعال.

ويتضح ذلك جليا في توظيفه للفنانة الشعبية الموريتانية النعمة بنت شويخ التي بدت تترنم وتداعب أوتار آردين وكأنها في أكثر حالاتها اعتيادية وبساطة.

كما استطاع المخرج بذكاء أن ينفذ إلى صميم جلسات الشاي الموريتاني التي تجمع بين الرجال والنساء وما يكتنفها من لحظات غزلية عن طريق تبادل الولاعات والتراشق بالكيفان (مساجلات الشعر الشعبي الموريتاني) في تناغم متعارف على قواعده سلفا, بالإضافة إلى ما أظهره الفيلم من بعض مشاهد الفرح والرقصات الفلكلورية التي تختزل الموريتاني في مختلف أبعاده الدينية والاجتماعية.
________________

*كاتب وصحفي موريتاني

المصدر : الجزيرة