نزار قباني (أرشيف)

سيدي محمد
مرت الشهر الماضي ذكرى وفاة الشاعر الدمشقي نزار قباني الذي مات وفي نفسه أشياء من "حتى" مثله مثل ابن جني تماما، إلا أن "حتاه" تختلف عن حتى الناصبة أو حتى الخافضة.. إنها قضايا أمته تلك القاتلة بهمومها ومآساتها ودموعها المتجمدة على وجنتيها مثل رمال الصحراء.. حبيبته التي تغنى بها وثار معها مع ثورة حشائشها وعند مخاض أمه به كانت هي الأخرى في حالة ولادة.

وحينما ابتسم للحياة وبكى لها ساقطا كان ربيع تلك الحبيبة يفتح حقائبه الخضراء مستقبلا ذلك الشاعر الذي ظل يبحث عنها 70 عاما إلى أن سقط سقطته الثانية والأخيرة دون أن يجدها، رغم أن حبل مشيمته ظل مشدودا إلى رحمها من المحيط إلى الخليج حتى وفاته.

حكاية نزار قباني مع الأمة العربية حكاية شهريار حينما يحكي لشهرزاد.. إنها حكايته مع المرأة بمختلف نكهاتها ونسمات روحها التي تغنى بها ولها، بل أقام لها مملكة بلا حدود وبلا شعب سوى شوارع من الحب مملوءة بالثورة والميلاد والحرية.

فأين هو نزار قباني الراحل؟ وأين هو نزار قباني الذي يجب أن يظل؟

كل العصور أنا بها فكأنما عمري ملايين من السنوات

أو بالأحرى ما سبب غياب الكلمة التي تمثل "نحن" في زمن عدم جدوى "أنا"؟ بل أين هو في هذه الظروف التي يسيطر فيها نزيف الجرح على نزيف الذاكرة أم أن كليهما سبب الغيبوبة؟

عندما كتب نزار قباني قصيدته الرائعة "متى يعلنون وفاة العرب؟؟" كان قد أشرف على اليأس وبدأت قواه تخور، لكن حرفه ظل يانعا رطبا يتساقط تينا ولوزا وعنبا باحثا عن أرض تتلقفه وسماء تحويه بزرقتها من غبار اليأس والإحباط والحرمان بعد أن كلت مطاياه وتعبت وأضناها البحث عن المرعى والكلأ:

رحلت جنوبا رحلت شمالا ولا فائدة
فقهوة كل المقاهي لها نكهة واحدة

تكشف هذه القصيدة التي اخترتها –ربما لأن صوت الدم العربي يزغرد فيها- عن عالم نزار الطفل حينما يحاول بخربشاته وطباشيره الطائشة رسم أرض عربية ولو مجازا تشاكس طفولته كأمه, وتكبر معها أحلامه لتسمو به إلى عوالم النضج والعشق وتعلمه كيف يفرش تحت حبيبته عباءته وكيف يعصر ثوبها عند هطول المطر.

كما نكتشف فيها نزار اليتيم حتى كهولته, ذلك اليتم والحرمان الذي عايشه جيل عندما أفاق على سلفه يثور مضرجا بدمائه وأرض مغتصبة ليجد أنه لا مخرج إلا الموت أو الرجوع إلى الوراء حيث العدم الذي يشكل فلسفة نزار في أن بطن الأم أرحم من احتراق الميلاد والوجود:

أحاول أن أستعيد مكاني في بطن أمي
وأسبح ضد مياه الزمن
وأركض مثل العصافير خلف السفن

ويحكي نزار في القصيدة مأساة الحلم الضائع حين تحولت خريطة الوطن العربي إلى طيف يصعب معه استدعاء شكلها وكيف ستكون:

أحاول أن أتصور ما هو شكل الوطن
أحاول أن أتخيل جنة عدن
وكيف سأقضي الإجازة بين نهور العقيق
وبين نهور اللبن
وحين أفقت.. اكتشفت هشاشة حلمي
فلا قمر في سماء أريحا
ولا سمك في مياه الفرات
ولا جنة في عدن

ولئن طغت قتامة الموضوع والتوظيف فإن الصورة عند نزار ظلت حافلة بسجل بلاغي بديع وبأسلوب مميز له لغته المكتشفة والخاصة في التناول، ولعله كان صادقا مع نفسه إذ يقول في قصيدة أخرى:

أقاتل القبح في شعري وفي أدبي حتى يفتح نوار وقداح
والشعر ماذا سيبقى من أصالته إذا تولاه نصاب ومداح

فالصورة عنده هي تجسيد للمعاني الحزينة وللوجع مع رمز للجمال -وغالبا ما يكون المرأة- بحيث يشكل مزجهما في روح القصيدة روحا جديدة يحسها المتلقي وثنائية للثورة والحياة يقتنع بها وتروي ظمأه إلى الحرية, وذلك هو إبداع نزار حينما يقول:

مرحبا يا عراق جئت أغنيك وبعض من الغناء بكاء
مرحبا.. مرحبا أتعرف وجها حفرته الأيام والأنواء
أكل الحب من حشاشة قلبي والبقايا تقاسمتها النساء

أو قوله:

ما للعروبة تبدو مثل أرملة أليس في كتب التاريخ أفراح

ولعل الجمال في الصورة المجردة الغزلية يبدو أروع في قوله:

زيتية العينين لا تقلقي يسلم هذا الشفق الفستقي

ويعالج نزار أيضا مسألة التراث الذي اعتبره جزءا من هذا التقهقر والألم الساكن فينا:

أحاول أن أتبرأ من مفرداتي
ومن لعنة المبتدأ والخبر
وأنفض عني غباري
وأغسل وجهي بماء المطر
أحاول من سلطة الرمل أن أستقيل
وداعا قريش
وداعا كليب
وداعا مضر

ورحل نزار مودعا كل قبائل العرب التي اعتبرها رمزا لحياة يجب أن تنتهي لتبدأ أخرى بعيدا عن الصحراء بكل موروثاتها الجافة والصعبة المتعطشة إلى الماء والدم والتيه.. رحل الشاعر إلا أن شعره بقي شاهدا على أن الكلمة الجريحة يبقى جرحها ينزف مع كل قطرة دم تسيل رغم وأد بعض الكلمات في حنجرة قائلها أحيانا:

وكيف نكتب والأقفال في فمنا وكل ثانية يأتيك سفاح
_________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة