سيدي محمد

جمال الغيطاني (الجزيرة)

تلقت الجزيرة نت نسخة من البيان الذي وقعه عدد من المثقفين العرب من بينهم الكاتب الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب وعبد الرحمن منيف وفيصل دراج وسماح إدريس ويمنى العيد ونبيل سليمان, حيث عبروا فيه عن تضامنهم مع الروائي المصري جمال الغيطاني منددين بما وجهته إليه بعض مواقع الإنترنت من تشهير وذم واتهامات.

وقد أجرينا على خلفية هذا البيان حوارا مع صاحب القضية المتهم الروائي جمال الغيطاني لمعرفة حقيقة ما حصل ويحصل لبعض رموز الثقافة من فترة لأخرى من اتهامات ببيع الكلمة والمتاجرة بالضمير العربي, فكان لنا معه الحوار التالي:

الجزيرة نت: الروائي جمال الغيطاني بم تفسر الاتهامات التي أثيرت نحوك مؤخرا؟


التمكن من العراق واحتلاله هو في المقام الأول احتلال ثقافي وليس عسكريا وعلينا أن نسأل هل هي صدفة أن تحرس وزارة النفط بينما ينهب المتحف العراقي ومخطوطات وزارة الأوقاف؟ هذا يعني محاولة تجريد العراق من ذاكرته الحضارية والتاريخية
جمال الغيطاني: هذه ظاهرة يتعرض لها مثقفون أخذوا موقفا ضد الحرب على العراق من قبل وأثناء الحرب كما هو الحال بالنسبة لبعض المثقفين في أوروبا الذين لا زالوا يتعرضون لها حتى الآن. وأنا كواحد من هؤلاء كان موقفي واضحا ولم أكن أدافع عن النظام.. بل عن العراق كبلد عربي وما زلت عند رأيي في هذه الكارثة التي حصلت باحتلال العراق والتي سوف ندفع ثمنها لمئات السنين.. فهي في رأيي حملة تشكل نوعا من الانتقام من بعض الكتاب الذين كان صوتهم عاليا أو مؤثرين في الموقف من الحرب.

الجزيرة نت: هل هناك أسماء معينة في العالم العربي ترى أنها كانت وراء هذه الاتهامات؟

جمال الغيطاني: ليست عندي معلومات إنما الموقع الذي يشن هذه الحملة -وهو موقع الإمبراطور- مسجل باسم أحد شخصيات المعارضة العراقية المعروفين في الدانمارك والذين كانوا يتعاونون مع الأميركيين، ورغم أنني لا أملك معلومات فإنني متأكد من أن الهدف من هذا الافتراء هو إحداث فرقعة وتشويه للسمعة. والمحزن والغريب أنني عندما قرأت هذه الرواية بعد هذه الضجة وجدتها لا ترقى لمستوى المبتدئين في السرد والتأليف الروائي ويستطيع القارئ أن يميز بين كتابتي وكتابة غيري فقد غاب عن هؤلاء أن القارئ العربي ليس غبيا لهذه الدرجة.

الجزيرة نت: لماذا جمال الغيطاني بالذات؟

جمال الغيطاني: أولا.. أنا كنت مراسلا حربيا عام 1973.. وكتبت عن الجيش المصري في حرب أكتوبر لمدة ست سنين وعن الجيش السوري حيث كنت المراسل الوحيد من مصر في الجبهة السورية والحرب مشتعلة.. وقد قابلت هناك الفيلق العراقي الذي قدم للمشاركة في حرب أكتوبر.. ثم ألفت كتابي "حراس البوابة الشرقية" الذي يتحدث عن دور الجيش العراقي في حرب أكتوبر.

الأمر الثاني أن الجيش العراقي جيش عزيز عليَّ جدا كجيش قديم كان يمثل احتياطيا للأمة العربية التي ما زالت أؤمن بها.. والذي تعرض نتيجة سياسات خاطئة لأمرين من أخطر ما يمكن.. الأول غزو الكويت، والثاني الكارثة الأخيرة التي انتهت بحله وأنا في الحقيقة شديد الحزن على هذه القوة العسكرية التي خرجت من القوة العربية لهذه الأسباب وبسبب هذا الكتاب الذي عملته سنة 1975 والذي لا أزال أعتز به جداً وهو من سلسلة طويلة بدأتها بالجبهة المصرية ثم الجبهة السورية وكتبت حتى عن الكتيبة الكويتية التي كانت موجودة في الجبهة، بالإضافة إلى تحقيقات عن الجيش الجزائري.. كل هذا فسر على أنه تشجيع للنظام السابق وجيشه ضد إيران وضد جهات أخرى. وهذه الحملة أرى أنها امتداد لذلك, بالرغم من أنني منذ سنة 1988 لم أزر العراق لأسباب احتفظ بها ولم يكن لي اتصالات قوية مع الأدباء هناك بسبب ضعف الاتصالات.


رغم عدم وجود قوى سياسية تساند المثقفين الواقعين بين مطرقة السلطة وسندان الظروف فهناك قامات قوية وشريفة تمتلك المصداقية التي تمكنها من أن تظل في مقاومة دائمة وهؤلاء هم الذين يشكلون الأمل
الجزيرة نت: أستاذ جمال ما رأيك -كأحد كبار الأدباء والصحفيين الذين كان لهم دور كبير في إثراء الساحة العربية- في هذا الزلزال الذي هز كيان الأمة؟ ما حقيقة ما يجري حاليا؟ هل هو مخاض للأسوأ؟

جمال الغيطاني: حسب قراءتي للأحداث الجارية أرى أنه مخاض نحو الأسوأ لأن التمكن من العراق واحتلاله الذي بدأ يأخذ الآن الشرعية الدولية هو في المقام الأول احتلال ثقافي وليس عسكريا وعلينا أن نسأل هل هي صدفة أن تحرس وزارة النفط بينما ينهب المتحف العراقي ومخطوطات وزارة الأوقاف؟ هذا يعني محاولة تجريد العراق من ذاكرته الحضارية والتاريخية.

الجزيرة نت: سؤال أخير، ما هو دور المثقف العربي الآن؟

جمال الغيطاني: أعتقد أن دور المثقف العربي في غاية الأهمية.. لكن المشكلة أن المثقفين الآن أصبحوا أفراداً أي أن التنظيمات التي تجمعهم ضعيفة أو تخضع للسلطات.

وأرى أن واجب المثقف أن يحافظ أولا على شرفه الشخصي وأن يعبر بصدق عن اللحظة مهما كلفه ذلك من ثمن.. لأننا نواجه خطراً بين لحظة وأخرى يكمن في تغيير الهوية.. إلا أنه رغم كل ذلك ورغم عدم وجود قوى سياسية تساند المثقفين الواقعين بين مطرقة السلطة وسندان الظروف فهناك قامات قوية وشريفة تمتلك المصداقية التي تمكنها من أن تظل في مقاومة دائمة وهؤلاء هم الذين يشكلون الأمل.
___________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة