محمد الفيتوري
أكد الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري أن ما يدور في العراق هو هجمة شرسة على الحضارة العربية الإسلامية وقيمها، لكنه أوضح أنه يمثل في الوقت ذاته مخاضا نحو ميلاد جديد للأمة العربية. وقد خص الفيتوري الجزيرة نت بقصيدة تحمل كل هذه المعاني تنشر لأول مرة.

وكعادته يبحر الفيتوري الثائر بين كلماته المتعبة بمرور السنين والمفجعة مثل عمره الذي أثكل الماضي ساحبا وراءه شموخ جيل عاش مرحلة من مراحل التعب الحضاري والتحدي. وقد تجذر هذا التحدي في الأجيال الحالية رمزا للفداء الذي لا نختلف مع الشاعر في أنه كان ربما بداية لهذا المخاض الذي تكلم عنه.

والشاعر السوداني محمد الفيتوري في قصيدته التي بين أيدينا لا يسخر من الواقع العربي بقدر ما يربت على كتف الشهيد العراقي والعربي، ولا ينتقص من قيمة العطاء رغم قلته بقدر ما يمسح الدموع عن خدود ضائعة مبتلة بين دجلة والفرات بل بين المحيط والخليج ليعلن صرخة الميلاد بصوته المبحوح مؤذنا بفجر جديد ومولود يبتسم مع شيب الليل وسواد خيوط النهار رغم كل تناقضات الواقع.

وفيما يلي القصيدة:

صرخة الميلاد

دعونا نعلِّقْ على مشجب الشمس أكفاننا..
ونهزُّ بيارقنا..
أو دعونا نصلي..
فقد تُخْصِبُ الصلواتُ التي يبِستْ في حناجرنا
ثم سالتْ نُعوشا عراقيةً
ومدائنَ مكسوةً بالحرائقِ, مزدانةً بالدماءْ..

***
دعونا نُغَنِّي لمن يستحق الغناءْ

ونبكي لمن يستحِقُّ البكاءْ
ومن تتناغم أطيافُنا في رؤاهْ
ومن هو نافورةُ الضوءِ تحت السماءْ..

***

دعونا ندُسْ في خُطى الهاربين إلى اليأس
أقنعةَ اليأسِ والانكفاءْ..
دعونا نَقُلْ للملوك الخطاة الزناهْ
وللحاكمين الذين أباحوا لأنفُسِهم حرماتِ الإلهْ
أقيموا جثامينكم فوق تلك العروشْ
وغطوا خَرائبَ تاريخكم بالنقوشْ
وصفّوا على الشرفات أكاليلكمْ..
واعلموا أيها الأقوياء
أنكم مثلُ قطرةِ غيمٍ
معلَّقةٍ في سقوف الشتاءْ..

***
وحدَّقْتُ في أفق الليل وحدي
أستَبِقُ اليومَ والغدَ والذكرياتْ
وأقتطفُ الحلم في غابة العصر قبل الفواتْ
وأستصرخُ الراحلينْ
وأستمهلُ القادمينْ
وأستنطقُ الصمتَ والصخر والظلماتْ..
لماذا يخونُ الذي خان أمته؟
ويُهَوِّنُ من هان يوما على نفسه
أرضَ أجداده..
ولماذا النبِيُّونَ، والشهداءْ..
المُقيمُونَ في الخلدِ..
والشعراء المضيئون في الكلماتْ..
ولماذا القرابين والتضحياتْ؟!
ولماذا إذن تلد الأمهات؟..
ألكي تتلهى الشعوب بمن قد ولدنْ؟
وتصنع منهم عبيدًا وآلهة وطغاة!
أم يلدن.. لكي يتألّقَ وجهُ العراق..
وتسطعَ روح العروبة في الكائناتْ!..

المصدر : الجزيرة