يجد القارئ نفسه لدى قراءة المجموعة الشعرية الأخيرة (نبيذ) لمحمد بنيس -التي صدرت خلال شهر أبريل/ نيسان الحالي عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت- أمام ما يشبه فسيفساء كونية منسوجة من الحسي والصوفي والرمزي وبخيوط وصور وتعابير من الماضي والحاضر.

إلا أن هذه الفسيفساء على نقيض الإيحاءات التقليدية المرتبطة باسمها التي جعلتها توصف أحيانا بأنها تتجاور ولا تتداخل تتسم بأن أجزاءها تبدو واضحة مستقلة من جهة لنكتشف من جهة أخرى أنها تذوب دون أن تفنى في عالم كامل ووحدة وجود شاملة.

الشاعر المغربي بنيس وعلى غرار أسلافه الشعراء من فلاسفة الخمر تصوفا ومتعة اكتشف وحدة الوجود هذه في قعر الكأس وعلى صفحته ومزج بين كثير من صورهم وتعابيرهم وسمات عصره الحالي.

المجموعة الشعرية اشتملت على ما لا يقل عن 25 قصيدة توزعت على ثلاثة أقسام حمل كل منها عنوانا يفيض بالتداعيات وبالإشارات هي (ظهور لا ينتهي) و(صوت وحده). أما الغلاف فعنقود عنب في عمل فني طموح وخمري بلون صممه محمد حماده.

وجاء معظم قصائد المجموعة إما موزونا على تعدد أوزان تتردد فيها موسيقى داخلية وخارجية لا ترتبط دائما بوتيرة واحدة أو موزونا ومقفى أحيانا على تعدد في الأوزان والقوافي, لكن هناك دائما في روح المجموعة ما يمكن وصفه بأنه نوع من الوحدة.

وقبل عدد من القصائد أورد الشاعر استشهادات شعرية ونثرية لشعراء ومتصوفة منهم ابن المعتز والمتنبي وأبو نواس وابن خفاجة وابن عربي وأبو تمام والمعري ونظام الدين الأصفهاني وبشار بن برد والحلاج.

ففي القصيدة الأولى (ليكن) من القسم الذي حمل عنوان (ظهور لا ينتهي) يفيض بنيس قولا صوفيا وإن بكلام فيه من لغة المتصوفة وتقاليد مصطلحات شعراء الخمر وفيه كذلك صور رمزية, حيث يختلط الحسي المنظور في قوله بعالم اللاشعور بل يستتر هذا العالم وراء غلالة تبدو للوهلة الأولى حسية.

وترافق عنده الكلمات والمصطلحات العربية القديمة والحديثة خاصة الخمري فيها إشارات تتخذ أشكال أسماء منها أندلسية وأجنبية أخرى لأماكن وأشخاص وأنواع نبيذ تحمل أسماء المناطق التي تنتج فيها, وفي أحيان قليلة يكتب قصيدة نثر تقوم على إيقاع داخلي وتخلو من الوزن والقافية بالمعنى المألوف.

المصدر : رويترز