يعود زكريا تامر بأسلوبه الساخر المر إلى قرائه في كتاب جديد يحمل عنوانا مخاتلا يبدو الكاتب من خلاله كمن يصوب سهامه إلى جهة لكنه يطلق معظمها على جهة أخرى.

وعندما تقرأ كتابه الجديد الذي جاء في 468 صفحة عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت وحمل عنوان (هجاء القتيل لقاتله - مقالات قصيرة) تجده لا يقودك تماما إلى حيث يزعم أي إلى القاتل، إذ إن معظم تلك السخرية العاصفة حينا والحادة كنصل جارح حينا آخر ينصب على القتيل نفسه لأنه رضي أن يكون قتيلا وقبل بأن يصنع مجد القاتل.

وقد يبدو للقارئ في معظم الحالات أن العنوان الحقيقي للكتاب هو هجاء القتيل لنفسه لأنه شريك في عملية القتل, إلا أن السمة المسيطرة على العمل الجديد هي تلك السخرية المرة التي يتميز بها الكاتب وتختصر كثيرا من الواقع المفجع كما جاء في صورة النمر الذي تخلى عن طبيعته وأصبح يقوم بعمل دجاجة.

وقد ألف القارئ أن يكون معظم نتاج الكاتب السوري ذي الأسلوب الخاص من نوع القصة الحافلة أحيانا بالرمز على رغم واقعيتها الصارخة والتي تقوم على ما يشبه المثل الخرافي المشحون بالقضايا المعاصرة وعلى الخاطرة النفاذة.

والكتاب الجديد وصف بأنه مجموعة مقالات صغيرة وانطوت صفحاته على نحو 140 عنوانا. ومن هذه العناوين الأولى (فضوليون في غابة) وهو مقال يحمل معظم السمات المميزة لكتابة تامر يستهله بالقول "دخلنا غابة عربية فرأينا حابلها مختلطا بنابلها، سألنا النمر لماذا تتثاءب وتتمطى، فأجاب أستعد للبدء بعملي اليومي المفيد وهو القعود على بيض الدجاج حتى يفقس. وسألنا الغراب كيف صرت طيرا ناصع البياض فأجاب الفضل كله للإرادة والتصميم والعمليات التجميلية".

ويستمر الكاتب في طرح الأسئلة وتلقي أجوبة عليها من هذا النمط إلى النهاية حيث تتحول الغابة إلى وطن ويختم موضوعه بالقول "وعندما انتهى طوافنا في الغابة وحاولنا الخروج منها اكتشفنا أننا قد تهنا وسنظل فيها حتى الموت".

وفي (نحصد ما نزرع) خواطر حادة جارحة, ومما جاء تحت هذا العنوان "إذا كان البوم مغنيا فالخنفساء هي الراقصة الذائعة الصيت" و"إذا شبع الذين لا يسرقون جاء الذين يسرقون" و"إذا قبلنا الأيدي في يوم ما اضطررنا في يوم آخر إلى تقبيل الأقدام" و"إذا سرنا خاشعين في جنازة كلب فلنتأهب لأن تسير الكلاب في جنازتنا" و"إذا ازدادت الفؤوس تضاءل عدد الشجر".

وفي (أمة من المتفرجين) في الكتاب الذي صدر في فبراير/ شباط المنصرم يقول زكريا "قيل إن الأشجار تصرخ في أثناء قطعها وقيل أيضا إن الأشجار يتحدث بعضها إلى بعض.. وأي إنسان في العالم يحق له أن يدهش من سلوك الأشجار ما عدا العربي فليس من حقه أن يدهش بل يتوجب عليه أن يخجل".

ويقول بلسان الذئب في (ذكريات ذئب عجوز) "في يوم من الأيام أكلت ناقدا من مشاهير النقاد فظل صوته يتعالى في بطني متكلما بحماسة عن فضائل الالتزام بقضايا الجماهير وعانيت مغصا حادا أوشك أن يهلكني... وفي أحد الأيام أكلت كاتبا مؤمنا بما بعد الحداثة فظلت الذئاب تسخر مني طوال أسابيع إذ أصبحت أتكلم كلاما لا علاقة له بالعقل... وفي يوم مشمس أكلت مفكرا دائم الظهور في المحطات التلفزيونية الفضائية متكلما بفصاحة ووقار في السياسة الدولية فاتهمتني معدتي بأني أعاديها بلؤم... وفي يوم من أيام الربيع انقضضت على جنرال نام حراسه تواقا إلى افتراسه ولكنه فاوضني بلباقة وتهذيب وأقنعني بألا آكله لقاء أن آكل جنوده أجمعين فكانت صفقة رابحة لكل منا".

وتحت عنوان (الترويج للبلاهة) قال "تجتاح الوطن العربي حاليا موجة من الفتاوى الإسلامية يطلقها رجال يتصدون لهداية المسلمين وحماية الدين الحنيف بأسلوب حاكم عرفي مطلق الصلاحيات فثمة فتوى تحرم الاستشهاد بحجة أنه انتحار وقتل لنفس حرم الله قتلها وثمة فتوى تحرم المجلات النسائية بحجة أنها تنشر الخلاعة والمجون وتثير الشهوات وثمة فتوى تحرم بعض ألعاب الأطفال بحجة أنها تسيء إلى الخالق ومن المنتظر أن تصدر فتاوى أخرى جديدة وفق النهج نفسه... وستصدر فتوى تحرم امتلاك العيون فالعين التي ترى اللحى الوقورة وتتبرك بأصحابها هي العين نفسها التي ترى الأفلام الفاسقة وتتمتع بأهوالها... وستصدر فتوى تبيح للناس تقبيل أيدي حكامهم بخشوع... وتلك الفتاوى بمجملها تريد لهذه الأمة أن تكون صماء بكماء عمياء وهي ليست بالصماء البكماء العمياء".

المصدر : رويترز