أطل شعراء الديوان الصوفي العربي بعشقهم الذي يحرق القلب ويبدل الحياة على جمهور باريس، في أمسية تزاوجت فيها الموسيقى مع الصوت الشجي والكلمة المؤثرة, فمن الشيخ الصوفي الكبير الأندلسي المغربي أبو الحسن الششتري الشاعر الذي تخلى عن بهارج موقعه كأمير ليعتنق الطريقة الصوفية الزاهدة، إلى أبي مدين والشيخ التلمساني الكبير وابن الفارض والحراق ورابعة العدوية والحلاج وابن عربي، تمايل الجمهور الباريسي مع صوت عائشة رضوان وفرقة الجود المراكشية.

جاءت هذه السهرة التي أحيتها فرقتا (الأدوار) و(السماع) مساء السبت في إطار مهرجان الشعر الرابع الذي يقيمه حاليا معهد العالم العربي في باريس بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

ومع أنغام السماعي الجماعي الذي ارتبط تاريخيا بالصوفية بدأت السهرة مع فرقة الجود المغربية التي أدت غناء سماعيات من أقوال الششتري وابن الفارض والحراق بمصاحبة العود والكمان والآلات الإيقاعية.

وبصوتها الجهوري الذي تدرج من القرار (الصوت الثخين) إلى الجواب (الصوت الرفيع) وتردد صداه في أرجاء المسرح صدحت عائشة رضوان بمرافقة فرقة الأدوار بقبسات من إشراقات ثلاثة من رموز التصوف هم رابعة العدوية والحلاج وابن عربي.

من ديوان ترجمان الأشواق لابن عربي ومن مقام البياتي الموسيقي بدأت عائشة رضوان بقول الشاعر:

سلام على سلمى ومن حل في الحمى..
وحق لمثلي رقة أن يسلما
وماذا عليها أن ترد تحيــــــة..
علينا ولكن لا احتكام على الدمى

ومن شعر رابعة العدوية وعلى أنغام مقام البياتي تغنت بقولها:

كأسي وخمري والنديم ثلاثة..
وأنا المشوقة في المحبة رابعة
كأس المسرة والنديم يديرها..
ساقي المدام على المدى متتابعة
فإذا نظرت فلا أرى إلا له..
وإذا حضرت فلا أرى إلا معـه

واختتمت الأمسية بقول رابعة:
أحبك حبين حب الهوى..
وحبا لأنك أهل لــذاكـا
فأما الذي هو حب الهوى..
فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له..
فكشفك للحجب حتى أراكا

وقال حبيب يمين الموسيقي اللبناني الذي لحن الأشعار الصوفية بالاشتراك مع عائشة رضوان إنه يسعى إلى نقل تراث عصر النهضة العربي الموسيقي خاصة المقامات الشرقية والموشحات والأدوار وكل أنواع الشعر العربي الصوفي والروحاني إلى مسارح العالم.

وأشار إلى أن فرقته اختارت التخت الشرقي الذي يتألف من القانون والعود والناي والكمان والطبلة والرق ليكون أساسا لتركيبتها، وذلك لإعادة إخراج المادة الموسيقية ضمن إطارها الصحيح.

وبالإضافة إلى المطربة والملحنة عائشة رضوان ضمت الفرقة عازفين من مصر ولبنان وتونس.
ولم يبد يمين أي انتقاد لما يسمى بالأغنية الشبابية الحديثة وإنما قال "يجب أن تكون حرية التعبير مكفولة للجميع، لكن نحن نهتم بأسلوب المقام والتراث ونحن لا نفعل ذلك كقالب جامد وإنما نطوره ونجدده مع الحفاظ على هويته المتميزة".
وأضاف "نحن نسير على نهج شيوخ النهضة العربية ونواصل نقل هذا التراث الكبير وإحياءه على خشبات المسرح الدولية".

وقال إن عمل الفرقة المقبل وهو بعنوان (سكرات) سيتناول الوجه الرمزي للخمر في الشعر الصوفي العربي وسيقدم على مسرح مدينة باريس الشهر المقبل كما سنشارك في مهرجان الموسيقى العربية الذي يقيمه معهد العالم العربي في يونيو/حزيران المقبل.

والخمر في شعر المتصوفة ليس الخمر الذي يعرف وإنما هو خمر من نوع آخر، إنه حب الله. يقول ابن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة..
سكرنا بها من قبل أن يخلق الحمل
عائشة رضوان قالت -بعد أن عادت للمرة الثانية لخشبة المسرح لتحيي الجمهور الذي تابع التصفيق لها- إنها سعيدة باختيارها للتراث الموسيقي العربي الذي لن تتخلى عنه لأنه يعني الأصالة ويعني الاستمرار.

المصدر : رويترز