علي فهمي خشيم(الجزيرة)

سيدي محمد
يعتبر المؤرخ والباحث اللغوي الليبي الدكتور علي فهمي خشيم من العقليات اللغوية والموسوعات العربية المتحركة التي أخذت على عاتقها لذة الاحتراق مع هذا الموروث اللغوي والانشغال بتأصيله من المحيط إلى الخليج.

ولم يكتف د. خشيم بكل ذلك وإنما حاول من خلال مؤلفاته العديدة والكثيرة المتميزة والثرية أن يرجع أصول لغات أخرى لمجتمعات لها علاقة بالتاريخ العربي ومجتمعه إلى اللغة العربية معشوقته التي يتغنى بها دائما.

وفي حوار مع الجزيرة نت للاطلاع على آخر مستجدات هذه المكتبة العربية المتحركة بين صحراء ليبيا ومياه النيل، حاولنا أن نلقي الضوء على كتابه الجديد فكان اللقاء التالي:

نريد أولا نبذة عن كتاب "القبطية العربية"؟

"القبطية العربية" مشروع كتاب أنشغل بالعمل فيه هذه الأيام ولم يحدد عدد صفحاته بعد, أما موضوعه فهو دراسة مقارنة بين القبطية والعربية.. إنه حلقة من سلسلة بدأتها بنشر كتابي "اللاتينية العربية" الذي صدر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة سنة 2002.

ويعتمد "القبطية العربية" على ما كنت نشرته من قبل باسم "آلهة مصر العربية" الذي صدر في طبعتين: الأولى بالدار البيضاء نشرته بالاشتراك الآفاق الجديدة اللبنانية والدار الجماهيرية الليبية، والثانية في القاهرة عن طريق الهيئة المصرية العامة للكتاب.

في ذلك الكتاب الذي استغرق جمع مادته وتأليفه نحو عشر سنوات وطبع طبعته الأولى منذ 13 عاما، تركز اهتمامي على إثبات عروبة اللغة المصرية القديمة -التي تسمى خطأ الهيروغليفية وهي الكتابة وليست اللغة- في مجلدين كبيرين، مستنداً إلى مجموعة كبيرة من المراجع والمصادر ومستعيناً بآراء سابقة حول هذا الموضوع، ومتوسعاً بشكل ملحوظ في إثبات هذه المقولة "عروبة أهل مصر القدماء ولغتهم ودياناتهم أيضا".


تركز اهتمامي على إثبات عروبة اللغة المصرية القديمة التي تسمى خطأ الهيروغليفية علما بأنها الكتابة وليست اللغة
إن القبطية -لا شك- ابنة المصرية القديمة مع عدد لا بأس به من المقترض اليوناني خاصة في المجال الديني، فإذا ما تمت البرهنة على عروبة لغة المصريين القدماء بصورة علمية فإن ما يتبع هذا هو عروبة القبطية ولابد إذن من تقديم الدليل على هذا القول، وهو ما أقوم به في الوقت الحاضر، ليس من حيث الألفاظ والمفردات فقط وإنما أيضا من حيث القواعد والتصريف وأسس المقارنة اللغوية كأسماء الأعداد وأفراد الأسرة وأعضاء الجسم وما في الطبيعة من مظاهر لا تخضع للاستعارة والاقتراض.

وإذا كانت المصرية القديمة لغة ميتة -أو منقرضة- لا يهتم بها سوى المختصين فإن القبطية لا تزال حية خاصة في الكنيسة والحياة الدينية. وكما فعلت في كتابي "سِفْر العرب الأمازيغ" الذي صدر منذ سنوات في مجلدين، فإنني آمل البرهنة على أن القبطية ليست إلا أختاً شقيقة للعربية كما أحسب أنني دللت على أن الأمازيغية (البربرية) أخت شقيقة لها أيضا والله الموفق!

وما هو منهجك في التأصيل اللغوي؟

المنهج العلمي اللغوي المتبع هو المقارنة والعودة إلى الجذور الأولى في اللغات المقارنة، وهذا يتطلب أولاً معرفة اللفظ ومعناه وتطور دلالته وما دخل عليه من تحوير وتبديل أو قلب مكاني أو إبدال أو تعاقب أصوات، ثم الاستعانة بما في المعاجم العربية من جذور (مواد) بات أغلبها من المهمل أو الممات، والاستعانة أيضاً بمعاجم اللغات العروبية المكتشفة كالأكادية والكنعانية والسبئية ونحوها، وكذلك بما في اللهجات الدارجة المعاصرة مما لم تسجله المعاجم. ويجب ألا يرسل القول على عواهنه كما يقال، ولا يكفي مجرد التخريج اللفظي والمقابلة المتعجلة دون دليل من مرجع أو مصدر موثوق به.

لقد صار علم اللغة المقارن علماً قائماً بذاته واهتم به الغربيون كذلك، ولذا نجد لديهم ما يسمى "المعاجم الاشتقاقية" أو التأصيلية التأثيلية يرجعون فيها ألفاظ لغاتهم إلى أصولها الأولى في مثل السنسكريتية ونحوها، وهذا -للأسف- لم يتيسر بعد في اللغة العربية، ولعل عملي هذا يكون بداية لما أشرت إليه.

منهجي إذن تحليلي مقارن، تحلل اللفظة القبطية مثلاً لترجع إلى أصلها المصري القديم وتقارن بعدها بالعربية، فإن كان اللفظ يونانياً أعيد إلى اليونانية. وكثيرا ما يكون له مكافئ أي مقابل عربي بسبب صلة اليونانية باللغات العربية، وهذا قد يكون مجالاً لكتاب بعنوان "اليونانية العربية" ولا تعجب!

ما أهم النتائج التي توصلت إليها كباحث لغوي؟

أولاً- أن العربية أقدم اللغات أو لأقل إنها ممثلة أقدم اللغات، إن لم تكن اللغات الإنسانية فالعروبية على الأقل.

ثانيا- أن ما يسمى لغات الوطن العربي القديم (من بابلية وأكادية وآشورية وحبشية.. إلخ ليست إلا لهجات, تماما كما هو حال اللهجات السورية والعراقية والخليجية والتونسية والحسانية (الموريتانية) والسودانية والليبية والفلسطينية واليمنية.. إلخ في وقتنا الحاضر. وتندرج تحت هذا البند -بالطبع- اللهجات الأمازيغية (البربرية) والنوبية والقبطية والسريانية والشحرية والحضرمية.

ثالثا- وحدة لغات (لهجات) الوطن العربي القديم تدل على وحدة شعوبه إلى جانب وحدة تراثه الديني والثقافي، وهو مجال بحث آخر. وطبقاً لذلك فإن القول "بتعرّب" أو "تعريب" ما عدا الجزيرة بعد الإسلام قول خاطئ من أساسه.. ببساطة لأن هذه الشعوب كانت عربية منذ فجر التاريخ وليس بعد الإسلام فحسب.

رابعا- المشكلة في كلمة "عرب" التي خصت أهل الجزيرة أنها ذات مدلول واسع شامل يمكن إطلاقها على أي شعب "عارب" أي بدوي، لذا أفضل مصطلح "عروبية" لتشمل الجميع بمن فيهم عرب الجزيرة.

خامسا- أن للعربية أو العروبية وجودها الظاهر وأثرها العميق في ما يدعى "اللغات الهندية الأوروبية" وخاصة اليونانية واللاتينية مما بينته في كتابي "اللاتينية العربية"، وهو مجال خصب للدرس والبحث والمقارنة يؤدي إلى أعمق النتائج وأبلغها أثراً.


اهتم الغربيون بما يسمى المعاجم الاشتقاقية أو التأصيلية التي يرجعون فيها ألفاظ لغاتهم إلى أصولها الأولى مثل السنسكريتية ونحوها، وهذا للأسف لم يتيسر بعد في اللغة العربية

هل تستطيع اللغة العربية استيعاب كل العلوم، علماً بأن هناك من يرى عكس ذلك؟

هذا السؤال غريب، لكنه يتردد كثيراً. العربية تستطيع استيعاب كل العلوم لأنها استطاعت من قبل وسوف تستطيع من بعد.

ما رأيك إذا أثبتُ لك أن عدداً كبيراً مما يسمى "المصطلحات العلمية" والمعقدة أصله عربي، وعليك أن تراجع كتابي "رحلة الكلمات الأولى ورحلة الكلمات الثانية"، وكتابي "هؤلاء الأباطرة.. ألقابهم العربية". وأضرب لك مثلاً صغيراً سهلاً: كلمة سينما cinema أصلها من اليونانية kiema والمقطع ma زائد، والأصل kine يمعني الحركة والحدوث والوجود لارتباط الحركة بالحدوث والوجود.

وقد احتجَّ الفيلسوف أفلاطون في محاورته "أكراتيلوس" على كلمة kine في اللغة اليونانية، قائلاًً إنها أجنبية والصواب أن يقال jos (وجود).. ونسي أفلاطون أن هذه هي ذاتها العربية، وهو لم يعرف أن kine من الكنعانية (ك و ن) والعربية (كون) التي يقول عنها الجرجاني في "التعريفات": الكون الوجود والكون الحركة.

العربية قادرة، بل هي أقدر من غيرها على استيعاب كل العلوم دون شك. هل يمكن أن تقدر اليابانية والتاميلية ولغة "نيام نيام" ولا تقدر العربية؟! جميع لغات الدنيا قادرة على استيعاب العلوم فلم لا تقدر العربية يا ترى؟!

أما أن هناك من يرى غير ذلك فلْيَرَ ما يرى, إنه ينطلق إما من جهل بلغته العربية أو تأثر بالأجنبي -وهذا هو الاستلاب- أو من "عقدة خواجة" كما يعبر إخوتنا عرب مصر.

في الإنجليزية تعبير واحد أو على الأكثر تعبيران عن الكحة، وفي العربية أكثر من 20 تعبيراً، ذلك أن كحة البرد تختلف عن كحة المرض في الرئة مثلاً، وهناك كحة الهزء وكحة الإشارة وكحة التنبيه والكحة الخفيفة والكحة الثقيلة. إن السعال يختلف عن الكحاح، كما تختلف كحة الوهن عن كحة الإنسان الصحيح المعافى.. إلخ.

والموضوع طويل.. يا ويلتى! ما هي اللغة القادرة إذن؟ الإنجليزية مثلاً؟ إن الإنجليزية ليست إنجليزية، فأكثر من 90% من مفرداتها مستعار من لغات أخرى بما فيها العربية. وتسمية الإنجليز أنفسهم ليست إنجليزية، إنها لاتينية من كلمة angulus أي الزاوية أو الركن لأنهم كانوا مجرد قبيلة جرمانية انتقلت إلى الجزيرة البريطانية وسكنت الركن الجنوبي الشرقي منها والذي لا يزال يسمى حتى الآن east anglais. وقد وردت كلمة angulus في شعر امرئ القيس "سجنجل" أي المرآة ذات الزوايا الستة sex – angulus!


من يرى أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب علوم العصر فهو ينطلق إما من جهل بلغته العربية أو تأثر بالأجنبي وهذا هو الاستلاب

أم الفرنسية؟ لم يكن لهذه اللغة وجود قبل القرن السادس الميلادي (قبيل البعثة المحمدية)؟ والفرنسيون قبيلة جرمانية أجلت "الغاليين"، (من هنا تسمية البرتقال أو البرتغال، ومعناها حرفياً بوابة الغال port-gal)، واحتلت بلادهم وهي لغة هجين.

قل لي أي كلمة أو أي مصطلح لا تقدر العربية على استيعابه، فإن لم تكن ثمة ترجمة له لأنه مركب مثلاً فتسمية (video) مركبة من vision = رؤية + audion = سمع، والأصل عربي -ليس هنا مجال بيانه- عُرّب كما فعل أجدادنا في فلسفة وجغرافيا وكيمياء وإسطرلاب وإسطقس (وكلها لها أصل عربي).

ولكن الحذر واجب في كثرة "التعريب" بدلاً من الترجمة إذا توفر المقابل، فلا نقول تلفون مثلاً بل نقول هاتف، ولا نقول فاكس بل نقول ناسوخ، ولا نقول كمبيوتر بل نقول حاسوب وهكذا.

من يرى عكس ذلك فهو إما جاهل أو مستخف أو مريض أو فاقد الإحساس بقوميته وعمادها اللغة. فليتعظ هؤلاء بالعدو الصهيوني وما فعله حين أحيا لغة ميتة -هي في الأصل ابنة العروبية الكنعانية- ولم يقل أحد إنها لا تقدر على استيعاب كل العلوم.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة