غلاف الديوان

يبحر الشاعر علي عبد الله الأنصاري على متن يراعه الذي ولد في يده من خلال ديوانه الجديد الذي لا يعدو كونه ذكريات وصور حديث ذاتي قد يعرفه البعض وقد لا يعرفه أحد بحسب قول الشاعر.

وتتراوح قصائد الديوان الذي حمل عنوان "في راحتي قلم" بين شعر التفعيلة والشعر العمودي طارقا جميع الأغراض من وجدان وسياسة وغزل، حيث يؤكد الشاعر في مقدمة ديوانه (300 صفحة) والتي سماها القصيدة الأولى أن من لم يعرف الغزل لم يعرف الشعر، موضحا "أن الأدب لابد أن يحمل روح الإسلام العظيمة".

بدأ الشاعر بإهداء جميل مليء بالحنان والوفاء إلى الأم:

أماه معركة الحياة وصيحة النخوات إن نادت لأجل كرامة كُلفت بها الأرض التي.. صعبت عليها أن تكون شريفة من بعدكِ.

والأم عند علي الأنصاري هي ذلك الوجد الذي يمتلئ به الشاعر ويملؤه حنانا.. هي الأرض في أطهر بقاعها مملوءة بالفرح الذي يتعس الشاعر مجرد تخيل فقدانه:

يا فرحتي فتعاستي من أي شيء قد أصاب ثرى خطاكِ
أأطهر البسمات في وجه الطبيعة إن تكلّفت النساء جميعُها بسماتِها

وهي المرفأ والشط بعد الإبحار حتى أن الشاعر يتمنى أن تسكنه تلك الأم ليحميها من الأشواك التي تملأ كل درب.

وقصائد الديوان التي تدور في أولها حول أقطاب ثلاثة "الأم والوالد الذي لن تكتمل قصيدته والشاعر" كما في قصائد "صدى، إنسان، نرجسية، الذات، الانتظار، شيء في نفسي، شاعر"، بدت وكأنها نوع من المساس بالأنا ومحورها ثم يبدأ الشاعر الخروج من هذه الدائرة شيئا فشيئا في قصيدته "هم وسر"، عازفا أوتار الكون واستفهاماته الوجودية محاولا ولوج حواره المعرفي وقيمه الجمالية والأخلاقية في معالجات أبرزها ذلك التناص مع شاعر المهجر إيليا أبو ماضي:

متعب جراء ما يجري حواليّ وما يجري بنفسي
لست أدري كيف يجري بي إلى ما قبل أمسـي
هل أبوح الآن بالســــر الذي يسكن حدسي

ويقترب نطاق التناص حتى يقول:

قد أظـن السر يخفى في قبور الأولياء
فهم أهل وفـاء وهم نبع الصـــفاء
زرتهـم ألقي بثقلي لا مجيب للنــداء
أي ميت يستطيع السمع أو رد الدعاء؟

ولئن كان أبو ماضي خاطب مفردات حضارته وقيمه وأفكاره وموروثاته فإن الصحراء ومفرداتها ألقت بظلالها عند علي الأنصاري، فأساطير المجتمعات الصحراوية البدوية وقيمها لم تغب، بالإضافة إلى أن الصور جاءت متراكمة بطريقة لا تعيق حركتها في ذهن القارئ بل إن هناك ابتداعا وخلقا جديدا لصورة المحب في قوله:

أنتِ نجمي وبدر ليلي وأنتِ لطويل السُهاد أصبحتِ فجرا

ومهما أسهبنا في هذه القراءة الأولية لهذا الديوان فإننا لن نعطيه حقه لأنه لشاعر مطبوع يستلهم التراث ويوظفه ليخرج بأدب جزل ولغة تمثل أصالة لها ركيزتها العصرية وعصرية لها جذور الأصالة.

وإجمالا يعتبر ديوان "في راحتي قلم" إضافة إلى المكتبة الشعرية الأدبية العربية من شاعر شاب يسكن مجتمعه فقر في الشعر الرصين الصحيح، حتى أنه يمكن عد مبدعيه الحقيقيين على أصابع اليد الواحدة.

المصدر : الجزيرة