عبد الرافع محمد

فدوى طوقان

المقاومة هي الخيط القوي الذي ينسج المقاطع المختلفة في حياة فدوى طوقان، وكأن المقاومة كانت قدرا محتوما مع الشاعرة الفلسطينية حتى قبل أن تبدأ الحياة، إذ خرجت من ظلمات المجهول إلى "عالم غير مستعد لتقبلي، أمي حاولت التخلص مني في الأشهر الأولى من حملها بي حاولت وكررت المحاولة ولكنها فشلت حين أرادت التخلص من هذا الرقم السابع، ظل متشبثا في رحمها تشبث الشجر بالأرض، وكانما يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي المضاد".

ومع فرحها بالذهاب إلى المدرسة التي وجدت فيها نفسها الضائعة داخل البيت وصادقتها حتى بلوغها وعرفت الحب فيها، قررت أسرتها أن تحدد إقامتها داخل الجدران بتهمة أنها عرفت الحب. وأوقعت أسرتها بينها وبين ذاتها فحاولت الانتحار ولكنها خافت الألم وأخذت قرارا بالمقاومة، ومع أخيها إبراهيم الذي تعلم في الجامعة الأميركية ببيروت تعلمت الشعر، وحفظت القصائد وألقتها، ثم كانت بدايتها مع كتابته.

فى بداية أعمالها بديوان "وحدي مع الأيام" أعطت فدوى طوقان الفرصة للرومانسية كى تتفتح بكل عنفوانها وثوريتها تؤكد ذاتية الفرد ليعبر عن آلامه وأحزانه وأحلامه، على نهج شعراء المهجر الرومانسيين وشعراء مدرسة الديوان وأبولو فى مصر.

لكنها تعلق على هذه المرحلة حيث تدور بقصائدها حول "مركزية الذات الأنثوية" في زمن كان فيه الشعراء يميلون إلى التعبير عن الهم الجماعي فتكشف عن صورة أخرى من صور المقاومة "يتهموني بأني شاعرة ذاتية أكتب شعرا عن تجربتي الذاتية في الحياة, لكن القارئ لسيرتي الذاتية يعرف لماذا كان ذلك, فطريقة نشأتي وتجربتي الشخصية هي أن الإنسان خلق وحيدا ويتعذب وحيدا ويموت وحيدا، وأنا أنظر إلى معاناتي فأجد أن لا أحد يتعذب معي فأنا لوحدي".


تميز شعر فدوى طوقان بالمتانة اللغوية والسبك الجيد, مع ميل للسردية والمباشرة. كما تميز بالغنائية وبطاقة عاطفية مذهلة, تختلط فيه الشكوى بالمرارة والتفجع وغياب الآخرين
من أجل الوطن
وبعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 ومع دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينتها نابلس رجع إليها الإحساس بنفسها ككائن اجتماعي, "فالتقت بالجماهير الشعبية, وعرفت القيمة والمعنى الحقيقي الذي يتخمر في دنان الشعب".

ومع صدور مجموعتها "الليل والفرسان" عام 1969, تحولت نحو الهم الجماعي الفلسطيني, من دون أن تتخلى عن نواتها المركزية, وهي الذات الأنثوية. وأخذت المقاومة تتخذ معها شكلا جديدا وأخيرا وتمثل لها أن دور الشاعر والأديب لا يقل أهمية عن دور المقاتل في ساحة المعركة.

وخلال حرب 1967 قرأت قصيدة في الإذاعة بعنوان "لن أبكي" وكانت هذه القصيدة حماسية لدرجة أن مجموعة من المقاتلين سمعوها وعندما انتهت القصيدة قام أحدهم وأحضر مصحفا وأخذوا يحلفون عليه واحدا تلو الآخر, بأن يقاوموا حتى النهاية وألا يستسلموا أبدا.

من الوجهة الفنية
خرج شعر فدوى طوقان من الأساليب الكلاسيكية للقصيدة العربية القديمة خروجا سهلا غير مفتعل, وحافظت في ذلك على الوزن الموسيقي القديم والإيقاع الداخلي الحديث. وتميز شعرها بالمتانة اللغوية والسبك الجيد, مع ميل للسردية والمباشرة. كما تميز بالغنائية وبطاقة عاطفية فائقة, تختلط فيه الشكوى بالمرارة والتفجع وغياب الآخرين.

ورأت الشاعرة الراحلة وجوب تحرير الشعر من قوالب الأوزان والقوافي، لأن التمرد على البيت المستطيل المتساوي التفاعيل في الصدر والعجز يفسح للشاعر آفاقا أرحب للتعبير الصادق. كما أنها تحبذ الانتقال من وزن إلى آخر في القصيدة المطولة ذات السرد القصصي، لأن تنويع الوزن ينقذ الموسيقى الخارجية للقصيدة من رتابة النغم الواحد الطويل الممل. وهناك من يعيب هذا الاتجاه باعتبار أنه يؤثر على وحدة القصيدة أو يشيع النشاز في موسيقاها.

أصدرت فدوى طوقان على مدى 50 عاما ثمانية دواوين شعرية هي على التوالي: (وحدي مع الأيام) 1952, (وجدتها), (أعطنا حبا), (أمام الباب المغلق), (الليل والفرسان), (على قمة الدنيا وحيدا), (تموز والشيء الآخر) و(اللحن الأخير) عام 2000, وفي النثر كان كتاباها عن سيرتها الذاتية (رحلة صعبة، رحلة جبلية) و(الرحلة الأصعب)، وقد حصلت على جوائز دولية وعربية وفلسطينية عديدة وحازت تكريم العديد من المحافل الثقافية في بلدان وأقطار متعددة.
_________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة