يتوقف رجل عجوز هو سعيد الضوي أحيانا كي يرتجل أبياتا جديدة فيما تواصل فرقته العزف ويتصاعد الإيقاع الموسيقي عندما يتطرق الراوي إلى المعارك ويعود فينساب هادئا حين يتكلم عن محبوبته.

هذه هي إحدى لقطات راوي السيرة الهلالية في منزل من العصر المملوكي في القاهرة, حيث تكسو وجهه المتجعد السيرة الهلالية وهي الملحمة الشعبية المهددة الآن بالاندثار.

ويعتبر سعيد الضوي أحد آخر رواة السيرة الهلالية في مصر ويعد واحدا من رواة قلائل يحفظونها عن ظهر قلب ويرويها مستعينا بالربابة وبأعضاء فرقته.

ويقول الشاعر عبد الرحمن الأبنودي, الذي أمضى 35 عاما في جمع أبيات السيرة الهلالية التي تتكون من مئات الآلاف من الآبيات الشعرية إنها تعتبر بمثابة "إلياذة الشعب العربي".

ويؤكد الأبنودي أن سيرة أبي زيد الهلالي وقبيلته التي تنقلت بين أرجاء العالم العربي كله تجسيد لأمة عربية واحدة، وأن أبا زيد الهلالي تجسيد لقائد مفقود تبحث عنه الأمة ليوحدها في مواجهة الأخطار.

ويسترسل الأبنودي "في العراق أبو زيد يقاتل الغزاة كما اليوم يقاوم الناس قوات التحالف" الذي يحتل العراق بقيادة الولايات المتحدة. ويوضح أنها ليست فقط للتسلية ولكنها تلعب دورا في أوقات الأزمات وهو ما يفسر لماذا انتشرت في مصر إبان الحملة الصليبية".

من جانبه يقول حسني يونس وهو مساعد مخرج في فرقة الورشة, التي تضم مجموعة من الشباب الذين يحاولون كذلك إحياء السيرة الهلالية, إن "أجزاء كبيرة من السيرة تختفي اليوم بسبب وفاة الرواة".

ويشير يونس إلى أن فرقته تأخذ على عاتقها البحث في التراث والموروث الشعبي القديم ولذلك فهي تجمع أيضا أبيات السيرة الهلالية من المغنين الشعبيين أو من تسجيلات الرواة المتوفين.

وفي المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة يقدم أعضاء فرقة الورشة السيرة الهلالية في قالب مختلف تماما عن الراوي الشعبي إذ أن شبابا يرتدون الجينز يروونها بلغة معاصرة. ويعتبر حسني يونس أن السيرة الهلالية "ملحمة عربية تقدم المثل الأعلى والقدوة في البطولة".

وتحكي السيرة تاريخ قبيلة بني هلال المنحدرة من اليمن والتي هاجرت أولا إلى الحجاز وشاركت في المعارك الإسلامية الكبرى، ثم هاجرت في القرن السادس الهجري إلى مصر حيث دفعها الخليفة الفاطمي المنتصر إلى استعادة تونس التي كانت قد انفصلت لتوها عن دولته، حسب قول المؤرخين, ثم واصلت القبيلة رحلتها غربا.

وتتمحور السيرة حول البطل الأسطوري أبي زيد الهلالي الذي ولد أسود اللون من أبوين لونهما أبيض وهو ما يدفع الأب إلى ترك أمه.

وأبو زيد الهلالي مقاتل شجاع وكان على وشك أن يقتل والده الذي لم يكن يعرفه خلال إحدى المعارك ولكن, حسب الأسطورة, شلت أيدي الأب والابن في اللحظة الحاسمة وعندئذ عرف أبو زيد أصوله وعاد إلى قبيلته.

المصدر : الفرنسية