غبريال ماركيز

يفتتح الروائي الكولومبي غبريال غارسيا ماركيز مذكراته بالإشارة إلى أن الحياة ليست ما يعيشه أحدنا وإنما هي ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه.

فقد طرحت دار البلد السورية في اليوم الثاني لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الطبعة الأولى من مذكرات الكاتب الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1982. وتحمل مطوية الغلاف الأخير ما يمكن تسميته تقديما للرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي تحدث عن المذكرات وكاتبها، مؤكدا "أنه يقوم في هذه المرة بتقديم بعض نفسه بصراحة وببراءة بحمية تظهره مثلما هو عليه في الحقيقة.. رجل مستقبل لا نستطيع إلا أن نشكره لأنه عاش هذه الحياة كي يرويها".

وحمل الجزء الأول الذي بلغ 315 صفحة عنوان "عشت لأروي"، ويتناول المراحل الأولى من طفولة الكاتب وشبابه المبكر وعدد العقود التي سبقت ميلاده، ولهذا ألح على مصطلح "أساطير الطفولة" التي منحته القدرة على الكلام وكانت أمه هي المعلم الأول قبل أن يتعلم تقنيات الكتابة الروائية.

وتعيد المذكرات التي ترجمها صالح علماني إلى الاعتبار قيمة التذكر والقدرة البشرية على إعادة تشكيل واقعة بعينها لا كما شاهدها الكاتب في طفولته وإنما كما تصورها أن تكون، فبعد أن يروي إحدى الحكايات يثبت بعد 60 عاما من ذلك تقريبا أنه كان يحاول إنقاذ الذكريات من أجل "الحب في زمن الكوليرا" روايته الخامسة.

وقريب من ذلك ما أشار إليه الكاتب وهو طفل بصحبة أمه في رحلة بالقطار الذي توقف في محطة دون قرية يظهر اسمها مكتوبا على البوابة "ماكوندو"، وانتبه ماركيز بعد ذلك إلى الإيقاع الشعري لهذه الكلمة واستخدمها في ثلاثة كتب كقرية متخيلة.

ولماركيز عدد من الروايات التي أصبحت وبمجرد صدورها من كلاسيكيات الأدب العالمي وأشهرها "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" و"الجنرال في متاهته" و"خريف البطريرك" و"الكولونيل لا يجد من يكاتبه" و"الحب وشياطين أخرى".

ولا يعمد الكاتب إلى الادعاء أو صناعة الأساطير بأثر رجعي عن نفسه أو عائلته، بل يحكي أحيانا بصراحة جارحة عن فقر الطفولة وأمه التي كانت تقول إن الفقر يظهر في العيون والتي يدين لها الروائي ذو الشهرة العالمية بالكثير ويعترف بقوله "أظن أنني مدين بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي، لقد كن يتمتعن بقوة الشخصية وطيبة القلب وكن يعاملنني بتلقائية الفردوس الأرضي".

وفي المذكرات إشارات إلى كتابات وكتاب كلاسيكيين من ذلك "ألف ليلة وليلة" و"قصص الكتاب المقدس" و"دون كيشوت" و"الكونت دو مونتي كريستو" و"الأوديسا" علاوة على بابلو نيرودا وتوماس مان وروايات وليم فوكنر الذي كان أوفى شياطين ماركيز.

وتوقف الكاتب طويلا أمام هجره الدراسة الجامعية ليعمل بالصحافة والأدب دون حاجة إلى تعلمهما حيث يقول إنه تحمس لعبارة قرأها لبرناردشو "منذ طفولتي المبكرة اضطررت إلى قطع تعلمي لكي أذهب إلى المدرسة"، وهذا ما برر به ماركيز لأمه تمرده على الجامعة بأنه لم يترك الدراسة وإنما غيرها فقط.

وقد امتدح الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس هذه المذكرات وفكرة التذكر نفسها مقارنا بين ماركيز وكتاب المذكرات الآخرين. ويحظى ماركيز بتقدير عربي كبير واكتسب مصداقية ككاتب مهتم بالشأن العام حين نشر مقالا اقترح فيه أن يمنح شارون جائزة نوبل في القتل بعد حصار الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين العام الماضي.

المصدر : رويترز