جمال عبد الناصر

صدر مؤخرا كتابان عن الناصرية وتجربتها، الأول بالإنجليزية بعنوان "في زمن المشمش" صدر في ماليزيا حيث تقيم مؤلفته الكاتبة الأجنبية إليجا غوردون، وهي داعية سلام كانت قد زارت مصر عام 1954. أما الكتاب الثاني فهو "الناصرية بمنظور نقدي - أي دروس للمستقبل" للدكتور محمد جابر الأنصاري وقد صدر في 188 صفحة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

عندما تقرأ الكتاب الأول تشعر أنك تعود إلى صحف حقبة ماضية أو إلى مجموعة صور قديمة بالأبيض والأسود لأناس تعرفهم تماما، وما يحمله إليك لا يزيد كثيرا على إعادة إحياء ما سجلته الذاكرة ومدونات عديدة. وتشرح الكاتبة مفهومها لمسألة المشمش بالحديث عن الجلوس مع أصدقاء مصريين في مقهى الفيشاوي الشهير في حين تقف خارجه عربات باعة المشمش التي تقول عنه إن مواسمه سريعة وقصيرة. وقد جاء الإهداء إلى مصر التي تقول الكاتبة إنها معنية بأمرها، فلا الزمان ولا المكان يستطيعان أن يمحوا ذلك.

مادة الكتاب في مجملها تراوح بين الانطباعات الذاتية والعمل التسجيلي، فهو تصوير ذاتي لأحداث غدت معروفة، وما جاء به من معلومات وشهادات عيان لا يتعدى المألوف عن عبد الناصر سلبا أو إيجابا. أما قيمته عند تسجيل مواده -أي عام 1958 حيث لم ينشر أيامها- فلا يمكن الحكم إزاء ذلك الآن، فالكتاب يمكن اعتباره خبرا ذا ألوان إنسانية تكتبه مراسلة صحفية، لكنه يختلف عن الموضوع الصحفي أيضا في أنه يحمل آراء معينة بينة.

وأما الكتاب الثاني فيحمل تبريرات صدوره بوضوح حيث إنه إعادة قراءة أو إعادة تقييم للتجربة الناصرية بقدر كبير من الهدوء والبرودة نتيجة الزمن الذي تبعد سنواته نار الحماسة المشبوبة وتوقظ الحسابات العقلية تلك التي قد يوافق القارئ على نتائجها أو لا يوافق.

ويقول المؤلف الناقد والأكاديمي البحريني ومستشار ملك البحرين للشؤون الثقافية والعلمية إنه كما افتقد النظام الملكي الدستوري في مصر إرادة الإصلاح الجدي من أجل البقاء والتطور فإن النظام الثوري الناصري بمراكز قواه المتسلطة التي صادرت إرادة القائد والجماهير عجز هو أيضا عن إصلاح ذاته من الداخل وترك مصيره النهائي يتقرر حسب مصالح تلك المراكز الفاسدة، وتلك مسؤولية تاريخية يتحملها القائد.

ويتساءل الدكتور الأنصاري: لماذا سقط النظام الملكي البرلماني الدستوري وغابت معه تجربته الديمقراطية المأسوف عليها في يومنا؟ ولماذا سيطر التيار السلطوي الشعبي الثوري وحقق إنجازات ثم لم يلبث أن انحسر؟

ويرد في الوقت نفسه أن من الممكن أن يورد المؤرخ هنا نكبة فلسطين سنة 1948 وهزيمة 1967 وما رافقهما من مؤثرات معوقة، لكن يجب على المؤرخ والمؤرخ العربي بالذات ولمصلحة العرب أنفسهم ألا يغض النظر عن قصورين أساسيين في بنية النظامين الملكي والثوري وهما أنهما تعاملا مع مسألة الديمقراطية تعاملا جعل للتسلط الأولوية على المشورة.

وأخيرا قال الكاتب إن الظاهرة الناصرية اشتملت على تقابل بين عنصرين متباينين هما عنصر بطولي رومانسي إيماني ذي محتوى تاريخي تراثي قومي وديني يؤكد دور البطل الفرد في التاريخ ومنظومة منتقاة من المؤثرات العصرية الواقعية المادية تتراوح بين الذرائعية البراغماتية والعلمانية الماركسية، وهذه الازدواجية الفكرية والبنيوية بقيت في الناصرية حتى النهاية.

المصدر : رويترز