عبد الله البردوني
مرت الذكرى الثالثة لوفاة شاعر اليمن العملاق عبد الله البردوني والذي عرف شاعرا مطبوعا من أعمدة الشعر العمودي على المستوى العربي في أغلب عقود القرن الماضي إذ لم يكن في عيون قارئيه وسامعيه ومعايشيه شاعرا عاديا بل كان مخزون ثقافة اليمن ووعيه وثوراته وجباله وقبائله وأحزابه وطموحه وآماله وآلامه فلا تكاد توجد مفردة في شعره -وتلك إحدى مزاياه- إلا تعبر بعمق وصدق عن جانب من جوانب الحياة فيها.

لقد كان هذا الشاعر صنَّاجة اليمن التي افتتن بها وجسدها في معظم قصائده هائما بها معبرا عن ذلك بتلميح يفوق التصريح وتصريح يقارب الهجو، ويغرف من عتاب المحبة في غير اكتراث بفلتات التعبير ونشاز الألفاظ التي لا يستوعبها من لم يعايش تجربة الشاعر التي هي اليمن:

أذكرها مرآتها عرق مأرب وأن لها فوق الجيوب جباها
وأن اسمها بنت الملوك وأنها تبيع بأسواق الرقيق أباها
وأن لها طيش الفتاة وأنها عجوز لعنّين تبيع هواها

تلك هي صنعاء اليمن المحبوبة التي تحمل رمز المدينة ومدينة الرمز ولا تفارق الشاعر حتى على مائدة الفطور في فندق:

طلبت فطور اثنين قالوا بأنني وحيد فقلت اثنين إن معي صنعا

هذه الحبيبة التي يرافقها الطيش -فتاة وعجوزا- هي التي عناها بقوله:

أغني لمن للحلوة المرة التي أبرعم من حزن الرماد شذاها
لصنعا التي تردي جميع ملوكها وتهوى وتستجدي ملوك سواها
لصنعا التي تأتي وتغرب فجأة لتأتي ويجتاز الغروب ضحاها

على أن ارتباط الشاعر باليمن الممتد في عروق التاريخ المتجذر في جغرافيا العرب الساكن في خلايا سكانه وموروثات أبنائه لم يشفع للرجل الذي ظل مجهولا في عامة العرب، وإن احتفلت به نوادي الأدباء وملتقيات الشعراء.

فالشاعر القادم من عمق طرف العرب لا يعرفه إلا المتخصصون ولا يردد معه شعره إلا قلة من المتذوقين، مما يطرح إشكالا طالما نغص حياة كثير من المهتمين بأطواد المعرفة والأدب في العالم العربي, إذ يحز في أنفس أولئك أن يشتهر أدعياء لأسباب رخيصة بحيث لا يهتم الناس بمن هم في ميزان البذل والعطاء المعرفي.

واللافت في حياة البردوني أنه عاش من عامة الشعب ومات كذلك لا أحد يهتم به حتى ليكاد يجهل داخل وطنه الذي آمن به وقدسه, ولم يفت البردوني أن يسجل ذلك في رائعته بلاد المنفى:

لأن بلادي الحبيبة وفي مرتباها غريبة
لأنها وهي ملأى بالخصب غير خصيبة
لأنها وهي حبلى بالري عطشى جديبة

ذلك حال الشاعر عندما يجسد الوطن فيجد نفسه غريبا في روابيه يحرمه الخصب وهو خصيب ويضنى عليه بالعطش رغم امتلائه بالري, ذلك الحرمان هو ما تجسده بصدق قصيدة "لص في منزل الشاعر" التي منها (ومرارة تشفي المرارة) فبيت الشاعر وهو وطنه الأصغر وإن كان وطنه بكل أبعاده ( البيت, القطر, الأمة) لا يوجد فيه ما يغري اللصوص ولا حتى ما ينبه إلى وجودهم:

شكرا دخلت بلا إثارة وبلا طفور أو غرارة
لما أغرت خنقت في رجليك ضوضاء الإغارة
لم تسلب الطين السكو ن ولم ترع نوم الحجارة
كالطيف جئت بلا خطى وبلا صدى وبلا إشارة
أرأيت هذا البيت قز ما لا يكلفك المهارة؟
فأتيته ترجو الغنا ئم وهو أعرى من مغارة
ماذا وجدت سوى الفرا غ وهرة تشتمّ فارة

كما أن الشاعر لا يفوته أن ينبه اللص إلى وجود شيء آخر يحمل معنى الثورة والرفض ويقود إلى تحريك الطين وتجاوب الحجارة في المستقبل حيث يقول:

ولهاث صعلوك الحرو ف يصوغ من دمه العبارة
يطفي التوقد باللظى ينسي المرارة بالمرارة

إن لهاث هذا الشاعر صاحب البيت القفر, ودمه الفوار الذي يصوغ برامج الحياة حتى يتحرك الحصى وتنفجر الحجارة هو الذي سيجعل رحلة اللص غير موفقة وإن كسب فيها فسيخسر بقدر ما كسب:

يا لص عفوا إن رجعـ ـت بدون ربح أو خسارة
لم تلق إلا خيبة ونسيت صندوق السجارة
شكرا أتنوى أن تشرّ فنا بتكرار الزيارة؟

وهذه صورة لصوص الحضارات والأغراب ممن دخلوا فجأة من كوى الكسل الحضاري وثغرات التخلف التي انساب منها أولئك دون أن يشعر بهم أحد سوى البردوني الذي ترك لنا صورة حية لهم.

المصدر : الجزيرة