يطل الشاعر اللبناني عبده وازن من خلال قراءة قصائد مجموعته الأخيرة في صورة قائد أوركسترا ينظم سمفونية نهر من الأحزان. فهو يبدو في المجموعة كواحد من الشعراء الذين يلقون أكثر من حجر في بركة راكدة وسمت كثيرا من الأعمال الشعرية الأخيرة فيقومون بما يعتبره البعض عودة بالشعر إلى الشعر أي إعادة ربطه بتموجات عالم النفس الإنسانية.

وتشعر القصائد الخمسون في المجموعة التي حملت عنوان "نار العودة" القارئ بأنها في معظمها قصيدة واحدة طويلة او نشيد واحد بحالات وإيقاعات نفسية متقاربة.

كثير من قصائد وازن أهدي إلى شعراء عرب لكن الإهداء لا يشبه المناسبات الاجتماعية التكريمية المألوفة، إنه أقرب إلى اقتلاع نبتة في النفس.. أي حالة من أحوالها وإهدائها بما يحمل معنى التقدير والمشاركة الروحية. وبين أسماء هؤلاء الشعراء أنسي الحاج وأدونيس وبول شاوول وعباس بيضون وعقل العويط وغيرهم.

في قصيدة (وجه آخر) تتحول التقاطيع الحسية المادية إلى رموز أو مداخل عوالم في النفس.. مداخل من عالم المرئي إلى عالم المخفي. يقول "لم يكن وجها ما أبصرته في المرآة، العينان حمراوان ولكن وراءهما غيوم كأنها أيد تودع أحدا، لهاث الصمت يتصاعد من المقلتين اللتين لوحهما الألم، النظرات تفصح عن وجه وراء وجه الجروح الغائبة تلوح كأشرعة في نهر، ما أبصرته في المراة كان ذكرى وجه، المقلتان بقايا من ملح، النظرات بروق تتناثر في سماء خاوية".

في قصيدة (غيم التلاشي) دخول مؤثر في عالم النفس البعيد ونقل حالة صوفية يتداخل فيها الكون والنفس البشرية ويتجاور فيها الموت والحياة والنور والظلمة بل لعلها جميعا تتبادل الأدوار بذلك الهدوء النفاذ الشامل الذي يلف ضجيج الحياة وهديرها ويميز مجمل قصائد مجموعة وازن. يقول "ما قبل النوم بقليل، ما بعد النوم بقليل، عندما ينهمر ماء الغيبوبة، ويرتفع غيم التلاشي، أبواب مفتوحة على أبواب، نوافذ تطل على نوافذ، لا أحد يجتاز عتبة الضوء، لا أحد يقع في حفرة العتمة، ما قبل النوم بقليل، زهرة الفضة تسقط بلا جلبة، ما بعد النوم بقليل، لؤلؤة الفجر تلتمع في سماء المجهول".

يشار إلى أن مجموعة الشاعر عبده وازن صدرت في 175 صفحة عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق.

المصدر : رويترز