قال باحث أكاديمي مصري إن أبرز ظاهرة خطيرة في مسار الحركة الشعرية خلال القرن العشرين تمثلت في سرعة الإيقاع بصورة جعلت المناهج الدراسية عاجزة عن متابعتها، كما قعدت بمتذوقي الشعر عن متابعة ما ينتجه الشعراء. جاء ذلك في كتاب جديد لصلاح فضل عنوانه "تحولات الشعرية العربية" صدر عن دار الآداب في بيروت وجاء في 167 صفحة من القطع المتوسط.

وفي محتويات الكتاب عناوين موضوعات تناولها الكاتب بتفصيل منها "تحولات منتصف القرن" و"رؤية العيد بين شوقي والمتنبي" و"ضمير الأنثى في شعر نزار قباني" و"إستراتيجية الخطاب الشعري عند خليل حاوي" و"الخطاب القومي في الشعر الأردني المعاصر" وغيرها.

وأشار فضل إلى أربع ثورات شعرية متتالية في مسافات قصيرة تاريخيا قصرت الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة عن متابعتها ولم تستطع اللحاق بها ملمحا خصوصا إلى خطورة كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي.

ويؤكد فضل أن تلك الثورات الأربع المتتالية بدأت بحركة الإحياء التي شرعها الشاعر المصري محمود سامي البارودي (1840 - 1904) ومضى في إثرها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في مصر، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي في العراق، وذلك خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

وثمَّن الباحث دور هذه الحركة التي حققت هدفها في بعث التيار الأصيل في الشعر العربي في حركة أعادت المثل العليا القديمة وطوعتها لبعض مقتضيات التحديث في التجربة والصياغة وإن غلب على بعض جوانبها الطابع الاجتماعي الخطابي.

وقبل أن تطوي هذه الحركة الإحيائية شراعها بعقود، كانت قد نشبت في الشرق العربي ثلاثة حرائق وجدانية كبيرة تمثل أجنحة الرومانسية المتكسرة -لو استعرنا الصورة الجبرانية الجذابة- هي الجناح المهجري بأنبيائه وحوارييهم من جبران خليل جبران إلى ميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وغيرهم، وجناح مدرسة الديوان في مصر بزعامة وعضوية العقاد وشكري والمازني في محاولاتهم اعتماد النظرية الرومانسية للشعر الإنجليزي لنقض غزل الاتجاه الإحيائي وتقديم نموذج بديل له لم يحظ بالروح الجماهيري، وبعد ذلك جناح مدرسة أبولو التي أسسها أحمد زكي أبو شادي وعين شوقي رئيسا لها مثل محمد نجيب في الثورة الناصرية -في إشارة إلى محدودية الدور رغم ضخامة المنصب- وقدم أبا القاسم الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وغيرهم من الشباب وقودا لنارها الوجدانية.

أما الحركة الثالثة فهي ثورة شعر التفعيلة الذي سمي بالشعر الحر ومواكبتها للمد القومي في العراق والشام ومصر وهزها العنيف لمنظومة التقاليد الشعرية وتغييرها لأشكال القصائد ودخولها منطقة الصراع القومي الاشتراكي، وأبرز رموز هذه الحركة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي في العراق ونزار قباني في سوريا وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي في مصر وخليل حاوي في لبنان وغيرهم.

ثم جاءت الثورة الرابعة في حداثة مجلة شعر وبدايات ما عرف بقصيدة النثر وغلبة الاتجاه الموصوف بالتجريدي في شعر أدونيس ومحمد الماغوط وعفيفي مطر وفيالق من الشباب في مختلف أرجاء الوطن العربي خلال العقود الأخيرة.

لكن فضل يلفت الانتباه في مؤلفه هذا إلى بطء الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة لهذه الحركات، فمعظم تلك المناهج في الوطن العربي يتجمد عند منتصف القرن دون أن يعدوه ولا يعترف على الإطلاق بالحداثة وما يسمى قصيدة النثر.

ويلفت فضل الانتباه إلى العامل "الذي يسهم في الشعور بدوار السرعة المتلاحقة وتداخل الفترات الزمنية إلى حد تجاوز العصور والأزمنة وبروز الجيوب الجانبية المتضخمة" وهو يعني بذلك ما أسماه كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي بما يتجاوز قدرة القارئ على التمثل الناضج لشعره القومي أو الربط المنسجم بين حلقاته حتى لتبدو بعض النصوص الشعرية الأخيرة وكأنها ترجمات ركيكة قادمة من قارات أخرى وثقافات مضادة.

المصدر : رويترز