عندما تتحول مهمة مواجهة عدو ما إلى شكل من الانتحار يتحول الصمود إلى حالة انتظار لموت محتم، فيستدعي ذكريات الحياة بحلوها ومرها، ويحول الذكريات إلى نوع من الاعتراف الكنسي.

ويشكل هذا الاعتراف حالة تطهر للروح عند ست شخصيات في مسرحية "فصيلة على طريق الموت"، تمثل أربعة منها حياة المرأة بجوانبها المتعددة، وبصراعها مع المجتمع بصورة عامة، والرجل في إطار الحياة العسكرية بصورة خاصة.

تلتقي المجندات الأربع أغاتا وأنديا وبيجا وبيدرا مع المجند لويس والعريف -الذي لم يعرف باسم حرصا على كونه يرمز إلى السلطة العسكرية- في مهمة انتظار لعدو ما في إحدى الغابات لتفجير حقل ألغام به. فتجتمع الفتيات الأربع على قتل العريف ظنا منهن أن إزاحته تنهي كابوس السلطة الجاثم فوق صدورهن، ولكن قتل العريف يتحول إلى نبوءة بموت الآخرين، لأن الرؤية التي يشير إليها المخرج تتحول إلى صورة واضحة بأنه لا مجتمع بلا سلطة.

وينسج المخرج المغربي حسن بنجدي خيوطه بين الذاكرة والمستقبل ليصوغ بنيته الدرامية للمسرحية التي تتحول الى رحلة اعترافات تسبق الموت المحتم. وتتضمن الاعترافات قول المجندة أغاتا إنها فرت من المعركة، وتركت صديقتها المصابة من دون أن تحاول مساعدتها، بينما تعترف بيدرا أنها عذبت المساجين في المعتقلات نتيجة تعرضها هي للاضطهاد، وقالت أنديا إنها قتلت رقيبا في معسكر التدريب حاول اغتصابها، واعترفت بيجا أنها باعت خبز رفاقها.

في تلك اللحظات التي تسبق الموت المفترض تحاول الأستاذة الجامعية "أغاتا" أن تكتب رسالة لوالدتها، بالرغم من معرفتها أن لا سبيل لإيصال تلك الرسالة، ولكنها تسجل اعترافاتها علّ أحدا يجد هذه الرسالة بعد موتها، قائلة "الحقيقة أننا جميعا هنا نشعر بتأنيب الضمير، وربما يكون هذا هو العقاب الذي نستحقه، وإننا في لحظة الموت سنكون قد أصبحنا أنقياء وذوي كرامة".

وباختلاف الوضع من شخصية إلى أخرى ينمو الصراع بين الجميع، ويتزايد إلى أن تنجلي حقيقة أن لا هجوم منتظر من الأعداء، وأن الألغام هي مجرد حقل وهمي, أما وجودهم في ذلك المكان فلم يكن سوى ترتيب لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهم.

ويسلط المخرج الضوء على ضعف المرأة في مواجهة خشونة الحياة العسكرية والمخاطر الكبيرة التي تتخللها لمواجهة الموت بصورة ساخرة، تصل إلى حد إظهار إحدى الممثلات في أحد المشاهد بثياب نسائية داخلية فوق الملابس العسكرية، مما يحمل العريف على القول إن "وجود المرأة في الجيش مهزلة".

وتتشكل بنية التمثيل وفقا لمناخ العرض وبنية النص من أداء أربع فتيات ورجلين، أرادهم المخرج شخصيات غريبة خارج الزمن، تتراوح حالتهم بين اليأس والأمل. وقد تمكن الممثلون من تأدية دور هذه الشخصيات وتجسيدها، وفي بعض المشاهد من خلق حالة الجسد، والتعبير الراقص حينا والثرثرة حينا آخر، وهنا بدأت قدرة الممثلين على أداء أدوارهم بواقعية في بعض المشاهد، وباندفاع نحو المبالغة في مواقف عدة.

وبرزت كل من بتي توتل بدور "أغاتا" وندين نعوم بدور "أنديا" بصورة أظهرتهما وكأنهما قد عاشتا الحياة العسكرية فعليا، فجاء تمثيلهما مفعما بالواقعية المقنعة بهذه الحقيقة.

وحالف التوفيق المخرج باختيار لوحة "غرنيكا" للرسام الإسباني الراحل بابلو بيكاسو، وخلفية للمسرح الذي اقتصر الديكور فيه على مشهد سريالي لأرض معركة خالية إلا من العتاد العسكري. لكن اللوحة كانت مقطعة الأوصال، وشكلت جزءا لا يتجزأ من الديكور، حيث كانت المعبر للدخول والخروج إلى المناطق المحرمة بين المتحاربين.

وقد جسدت لوحة غرنيكا عندما رسمها بيكاسو بعد الحرب العالمية الثانية وحوشا بأشكال مختلفة، للدلالة على الوحشية النازية في تدمير قريته التي كانت تحمل هذا الاسم.

وأشرك المخرج الموسيقى الحية في العرض بنقرات عود خفيفة وضربات طبلة تتصاعد مع تصاعد الدراما في المسرحية، وخصوصا في لحظات الاستعداد لصد هجوم انتظروه طويلا.

المسرحية مقتبسة عن نص للكاتب والناقد الإسباني ألفونسو ساستر الذي تدور موضوعاته دائما حول مشاكل المجتمع ورفضه للعنف والحرب.

المصدر : الفرنسية