يبحث المسافر في كتاب اللبناني عماد العبد الله (قطر الندى من أحلام الحرية إلى منازل الذل) عن قطرات الندى فإذا به في عالم مليء بالسخرية والتهكم وإذا بهذه الرحلة مشوار عبر حقول الواقعية المفعمة بأشواك القهر المغلف بضحكة سوداء.

ولأن حياة البشر ليست رحلة متواصلة فإن كتاب العبد الله مرآة لهذه الرحلة مليء بالمحطات التي صاغها الكاتب على شكل مقالات تحاكي القصص القصيرة التي يطل في كل منها الراوي على شكل الأنا الحاضرة وتتلون هذه الأنا وتتحول بتحول الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة.

وفي تلك الحركة يبدو الأنا الراوي دائم التطلع إلى الوراء بحنين لأنه لا يرى في الحاضر سوى إعادة مملة وممجوجة لذلك الماضي الذي سرقت جماليته الحرب حينا والصراع العربي الإسرائيلي أحيانا.

فقرية الخيام الجنوبية التي ولد فيها وابتعد عنها قرابة ربع قرن بسبب الاحتلال الإسرائيلي عاد إليها ليرى فيها أحلامه محترقة في منزل الأسرة الذي لم يعد يتسع للعائلة المتضخمة بعامل مرور الزمن.

معتقل الخيام
ويود العبد الله أن يتقمص جسد أولاده سارة وجلال ورشاد عندما يتجول معهم في سوق البرغوث الذي يحل موسميا في الوسط التجاري لبيروت لأنه لا يرى في بيروت اليوم بيروته هو بل يحاول أن يستحضرها في المخيلة ليستنسخها في أدمغة أولاده خوفا من المالك الجديد لبيروت الذي يشير إليه تلميحا على أنه رأس المال الذي لن يرحم الفقراء وسيحولهم إلى براغيث في بيروتهم.

ويخصص العبد الله فصلا كاملا لنقد وسائل الإعلام المرئي والمسموع المحلي منه والفضائي بلغة مبسطة شيقة هي أقرب إلى السهل الممتنع يستحضر فيها شخصيات معروفة في المجتمع اللبناني والعربي ولاسيما في الميدان الثقافي والفني فينتقد هذا ويتعاطف مع ذاك وفي الحالتين تكون السخرية هي القاسم المشترك.

يقع الكتاب في 195 صفحة من القطع الوسط وقد صدر عن شركة رياض الريس للكتب والنشر وقدم له الأديب اللبناني جورج طراد.

قال طراد في مقدمته من يقرأ عماد العبد الله في قطر الندى يشعر على الفور بأن البساطة هي الماء الذي عجن به كتاباته. بساطة فيها من العفوية والانطلاق على السجية الشيء الكثير. بساطة تجعله يعكف على ذاكرته الفردية والجماعية فيستنبشها قطرة قطرة ثم يسكبها وكأنها تنزل ليس فقط من عينه وقلبه جميعا وإنما أيضا من ضحكته الريفية التي لم تنجح المدينة في تدجينها رغم نصف قرن من التلوث والصدمات.

المصدر : رويترز