حاورت الجزيرة نت المحامي والدكتور الجامعي ريمون قبشي مستشار الرئيس الفنزويلي حول تداعيات الأزمة الفنزويلية، من هو الرئيس هوغو شافيز؟ وما خلفيات الأزمة التي يتعرض لها نظامه؟ وماذا عن طبيعة العناصر والمكونات السياسية التي تتصارع؟ وما ميزان القوى بين الرئيس شافيز والمعارضة؟ وكيف تؤثر الأزمة الراهنة على الاقتصاد الفنزويلي؟ وما الأبعاد الخارجية لما يحدث؟ وأي أفق ينتظر فنزويلا؟.
والدكتور ريمون قبشي فنزويلي من أصل لبناني ينحدر من أسرة قبشي التي بدأت هجرتها إلى فنزويلا عام 1948 في حين وصل أول عربي إليها عام 1882.
تتحدث الأوساط المتابعة للشأن الفنزويلي عن "ثورة شافيز" وعن
"اللجان البوليفرية" وعن الإصلاح الزراعي والنفطي.. فما حقيقة
حكم الرئيس هوغو شافيز؟
جاء الرئيس شافيز إلى الحكم عام 1998 بشعبية كاسحة وأجرى انتخابات جديدة واستفتاءات لم يسبق لها مثيل في تاريخ فنزويلا لإقرار دستور جديد وإعطاء صبغة دستورية قانونية لكل مؤسسات الدولة بما فيها رئاسة الجمهورية والمجلس الوطني والمحافظات والحريات العامة لم تعرفه فنزويلا إطلاقا.
موضوعيا وبكل إخلاص يمكن التأكيد أن شافيز حقق ثورة بكل معنى الكلمة ولكن بسلام وحرية وضمن إطار ديمقراطي ودستوري ولم ترق نقطة دم واحدة ولم يسجن شخص واحد معارض ولم تقفل أو تلاحق أي وسيلة من وسائل الإعلام أو أي حزب معارض أو فئة سياسية.. فضمن إطار دستوري شرع ما يناهز التسعين قانونا وما يتوافق مع تطلعات الشعب ومتطلبات الواقع واحتياجات المجتمع وما يتلاءم مع المبادئ الحديثة للدستور الجديد. بعض تلك القوانين جاءت لتصحح أوضاعا تخطاها العصر ولكن النخبة الحاكمة أبقتها دون تغيير مع مرور الزمن إبقاء لمصالحها ونفوذها وامتيازاتها، منها قانون الأراضي الزراعية والتعليم والصيد والطاقة وغيرها من القوانين التي هددت مصالح الإقطاع السياسي والاقتصادي والديني مما ألب عليه أصحاب النفوذ النخبويين الذين فرضوا على بلد غني بكل الثروات الطبيعية الفقر والحاجة والفساد والديون بشكل يهدد مستقبل الأجيال الآتية حيث وصل مستوى الفقر إلى 80% من مجموع السكان في مجتمع يملك المعادن والنفط والغاز والمياه والمناخ الطيب وغيرها.
أطلق الرئيس شافيز الحريات العامة دون قيود وضمن حرية للتعبير والرأي والمنظمات السياسية وحرية التنظيم النقابي والمهني والطلابي إلى الحد الذي حدا بأحد المعلقين السياسيين أن يقول إن الحريات التي أعطيت في فنزويلا أكثر مما يمكن للشعب أن يتفهمها ويهضمها.
على سبيل المثال قامت في العاصمة كراكاس وخلال سنوات ثلاث ما يقرب من 2500 مظاهرة وإضراب لجميع قطاعات الشعب لم تتعرض لها قوات الأمن ولم يسقط قتيل واحد أو يسجن أحد من المشاركين. على خلاف ما كان يحدث سابقا مع كل إضراب أو مظاهرة حيث يسقط القتلى والجرحى ويزج بالمئات في السجون.
يقوم حكم شافيز على ركيزتين: القاعدة الشعبية الفقيرة والجيش فكيف يتم توظيف هذين البعدين في الأزمة بين الرئيس ومعارضيه؟
لقد اعتمد الرئيس شافيز بإجراءاته على قاعدتين أساسيتين هما الشعب والقوات المسلحة، وعمل بكل قواه على تعميق علاقته بالقوات المسلحة واتخذ إجراءات جريئة فاتحا أمامها المراكز المدنية في جميع قطاعات الدولة وزاد من رواتبها وأجورها وأغدق عليها الامتيازات بشكل تصور معه أنها تحصنت أمام المعارضة وأنها ستواليه في جميع الحالات، وهكذا كان الانطباع لدى القاصي والداني.
أما القطاعات الواسعة والمحرومة من الشعب فقد انتهج أمامها سياسات واضحة تخفف من أعبائها وتحسن من أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، خاصة ما يتعلق منها بالتعليم والصحة والمسكن والرياضة، إذ خصص لها الأموال الطائلة خلافا لنصائح الدوائر المالية العالمية مما ألب عليه النخبة المتضررة محليا وفئات من الكوبيين المنفيين أصحاب النفوذ الواسع في الدوائر الحاكمة الأميركية وبعض الجهات المحافظة في الولايات المتحدة، وعملت من خلال مؤامرة محكمة على عرقلة مساعيه لحل المشاكل الفنزويلية، وخاصة ما يتعلق منها بالفئات المحرومة من جهة، والإطاحة به من جهة أخرى، إذ لجأت في سبيل ذلك إلى نشر الأكاذيب والتلفيق والادعاءات عن فنزويلا وحكومتها متذرعة بعلاقة شافيز بفيدل كاسترو وصدام والقذافي وخاتمي من جهة، وتأييده للقضية الفلسطينية وشجبه علانية الحرب في أفغانستان رغم إدانته للإرهاب وموقفه المعارض لأميركا بما يتعلق بكولومبيا ورفضه قيام السوق الحرة الأميركية التي تدعمها واشنطن وغيرها.
كيف تم انقلاب 11 أبريل/ نيسان 2002؟ ولماذا فشل في فترة لا
تتجاوز الـ48 ساعة؟
بعدما بدأ الرئيس شافيز في إصلاح شركة البترول الفنزويلية وأطاح ببعض مدرائها تبنت وسائل الإعلام قضية "ضحايا شافيز في الشركة" وكثرت الإضرابات والمظاهرات تأييدا لهذه "النخبة" من الفنزويليين وتلاقت كل فصائل المعارضة بـ"مباركة مسيحية" و"أموال رجال الأعمال" و"جند اتحاد العمال" و"تغطية إعلامية" و"تواطؤ كبار الضباط" و"بمساعدة أميركية مكشوفة" وخدمة مجانية من الطبقة الوسطى بلعبها دور الساذج المفيد وحددت يوم 11 أبريل/ نيسان 2002 كساعة صفر لتنقض على شافيز. تجمعت عشرات الآلاف من المعارضة التي جاءت من كل أنحاء فنزويلا في ساحة شرق العاصمة بالقرب من مقر شركة النفط حيث رخص لها ثم انطلقت دون إذن نحو القصر الجمهوري، حسب الخطة المبيتة على بعد 15 كيلومترا غربا، حيث تجمع عشرات الآلاف من مؤيدي الرئيس، وحدثت المواجهة وسقط الضحايا من الفريقين قتلى وجرحى، وكان للمعارضة ما ترغب فيه من "قميص عثمان" حيث طلبت رأس شافيز ثمنا له، ثم جاءت بلاغات قيادات الجيش المتآمرة وأعلنت كذبا "استقالة شافيز" حيث كان سجينا للمتآمرين في ثكنة عسكرية، وتسارعت الأحداث حيث نسي المتآمرون الشرط الأساسي ألا يبدو -كما حدث فعلا- التآمر انقلابا، وأن على شافيز الاستقالة كي تستطيع الولايات المتحدة إعطاء الدعم والتغطية الدولية اللازمة.
نصب كارامونا رئيس "فيداكمراس" نفسه رئيسا للبلاد دون اللجوء إلى الدستور (الخطأ الثاني للمتآمرين الذي أحرج واشنطن) وذلك مساء يوم 11 أبريل/ نيسان 2002 وتوالت الأحداث وتلاحقت يومي 13 و14، إذ استفاق الشعب من سباته وملأ شوارع المدن الفنزويلية وخاصة العاصمة، وحاصر ثكنات الجيش والقواعد العسكرية مما مكن ضباط الصف الثاني من الاستيلاء على ثكناتهم وقواعدهم واستولى الشعب على القصر الجمهوري وساعدته قوات حرسه. وهكذا أكد شافيز للعالم بأن ما حدث لأياندي في تشيلي لن يحدث له لأن الشعب والجيش معه، وهكذا عاد بعد أقل من 48 ساعة إلى الحكم بإرادة الشعب وتأييد الجيش، بناء على الدستور والقوانين. 
نود أن تعطونا فكرة عن المعارضة الفنزويلية: ما أهم مكوناتها؟ وما طبيعة خطابها السياسي؟
منذ اكتسح الرئيس هوغو شافيز الساحة السياسية الفنزويلية عام 1998 وأزاح بحزبه (الحركة الجمهورية الخامسة) تلك التشكيلات الحزبية التقليدية التي حكمت البلاد طيلة 40 سنة كاملة من عام 1958 إلى عام 1998 وهمشها في الحياة السياسية إلى أدنى درجاتها، ظهرت معها تنظيمات حزبية وسياسية صغيرة وجديدة، وقد استعانت هذه المعارضة بدوائر أخرى غير سياسية جندتها ضد النظام الجديد مبتعدة بها عن طبيعتها العادية لتزجها في أتون السياسة خدمة لمخططها الجهنمي. وهذه الدوائر والجهات هي:
- أولا: وسائل الإعلام الكبرى برمتها من مرئية ومسموعة ومكتوبة مما أفقدها الموضوعية والحياد والمصداقية والاستقلالية في تغطية الأحداث والأخبار والنقد والتعليق.
- ثانيا: جندت بعضا من رجال الدين الذين نسوا أو تناسوا دورهم ليصبحوا أداة متزمتة طيعة لهدف سياسي يباعد بين المواطنين ويحرضهم بعضهم ضد بعض.
- ثالثا: "فيداكمراس" (اتحاد الغرف الصناعية والزراعية والتجارية والخدماتية) الذي نسي دوره في الإنتاج والزرع والإبداع وقدم نفسه في خدمة مشروع سياسي تبين لاحقا أنه برنامجه إذ إن رئيس هذا الاتحاد نصب نفسه رئيسا دكتاتوريا (48) ساعة، يوم تكشفت المؤامرة وحدث الانقلاب.
وأخيرا: اتحاد العمال الفنزويلي الذي وجد نفسه ألعوبة في أيدي أرباب العمل خصومه الطبيعيين داعا إلى المسيرات والإضرابات والتظاهرات جنبا إلى جنب مع "فيداكمراس" متناسيا دوره النقابي ومطالبه العمالية إلى أن فاجأه الانقلاب فإذا بالمتآمرين يؤلفون حكومة ضيقة مبعدة الطبقة العمالية عن الحكم.
تآمرت هذه الفئات مع الدوائر الأجنبية التي ذكرناها، ولكنها في حقدها على شافيز واندفاعها في طريق الحكم لم تراع مصالح فنزويلا ولم تهتم بردة الفعل المرتقبة، إذ إنها نفذت إلى قيادات الجيش وكسبت بعضها بالإغراء والمال والسلطة.
وكانت واشنطن حائرة أمام شافيز، فمن جهة تبدي استياءها من سياسته وتؤلب الشعب عليه وتساعد المعارضة ومن جهة أخرى لا تستطيع تأييد الانقلاب على شافيز بل تريد أن يجبر على الاستقالة لأن الانقلاب يواجه الولايات المتحدة (كما حدث بالفعل) مع دول أميركا اللاتينية التي وقعت معها معاهدة للدفاع عن الديمقراطية وضد الانقلابات العسكرية وذلك في ليما بتاريخ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وهو ما يسمى بـ"الميثاق الديمقراطي الأميركي". كذلك فإن الولايات المتحدة لا ترغب في أن يهدد الأمن في بلد تحتاج إلى نفطه ومتاخم لكولومبيا حيث حرب الثوار.
ولكنها من جهة أخرى لا ترغب في أن يكون شافيز مثالا يحتذى به من قبل المرشحين للرئاسة في كل من كولومبيا والبرازيل، كما أنه يزعجها ما يقوم به الحكم في كرا كاس من تعميق وترسيخ علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا والصين والهند واليابان وأوروبا، وخاصة علاقاته الحميمة مع دول أوبك، لذلك كانت حريصة على ترداد أنها "ليست ضد تغيير ديمقراطي في فنزويلا" أو بأن "أي تغيير في فنزويلا يجب أن يتم عبر المؤسسات الديمقراطية" أي أنها مع تغيير شافيز ولكن من دون انقلاب ودون حرب أهلية.
حاولت المعارضة الفنزويلية استغلال عدة وسائل للإطاحة بالرئيس
شافيز كالانقلاب والإضراب، فما آخر وسائل المعارضة للضغط على شافيز؟
ركزت المعارضة على الإضرابات العامة وحشدت لذلك كل طاقاتها وإمكاناتها. لكن أمام فشل هذه الإضرابات وانحسارها يوميا حولت المعارضة اهتمامها إلى فصل جديد وهو إعلان الإضراب في حقول النفط ومنشآت الصناعات النفطية ومشتقاته حتى تشل بذلك الاقتصاد الفنزويلي القائم في نسبة كبيرة منه على هذا القطاع. ولا شك أن المعارضة تسعى من وراء هذا إلى:
- إضعاف شافيز وحمله على الاستقالة.
- إفساح المجال أمام القوات المسلحة للقيام بانقلاب عسكري.
- تسهيل الأمور لتدخل عسكري أميركي خاصة وأن أميركا تستورد 40% من الإنتاج الفنزويلي من النفط، كما أن 13% من الاستهلاك النفطي يأتي من فنزويلا.
- إشاعة الفوضى وتعميق الأزمة.
