قد يدخل الرئيس الفرنسي جاك شيراك التاريخ إذا صدقت توقعات الرأي وانتخب لولاية رئاسية ثانية في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة الفرنسية. فشيراك البالغ من العمر 69 عاما مرشح للحصول على أكثر من 80% من أصوات الناخبين أمام منافسه مرشح أقصى اليمين جان ماري لوبن، وإذا تحقق ذلك سيكون شيراك قد نال تأييدا أكبر من معلمه الأول الزعيم الفرنسي شارل ديغول.
الانتصار المتوقع لشيراك ليس بالضرورة تأييدا شعبيا لسياساته ولكنه سيكون بالدرجة الأولى رفضا من الشارع الفرنسي لجان ماري لوبن الذي خرجت ضده طوال الأسبوع الماضي تظاهرات حاشدة في المدن الفرنسية. كما سيستفيد الرئيس الفرنسي من خروج اليسار الاشتراكي من ساحة المنافسة على الرئاسة ودعوة رئيس الوزراء والمرشح في الجولة الأولى ليونيل جوسبان لناخبيه لعدم التصويت لصالح لوبن.
وبعد حوالي 40 عاما في مجال السياسية مازال شيراك لغزا محيرا في سياساته وفي شخصيته أيضا. فالرئيس الفرنسي يشتهر في أوساط الفرنسيين بأنه مثل الحرباء التي تغير لون جلدها وفقا للبيئة التي تكون فيها ويطلق عليه بعض خصومه "حرباء بونابرت".
فعلى سبيل المثال كان شيراك أحد الديغوليين المعارضين بشدة للوحدة الأوروبية، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة من أشد المدافعين عن سياسات الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة، مؤكدا أن مستقبل فرنسا مع هذا الاتحاد. كما أجرت فرنسا في عهده تجارب نووية في المحيط الهادي، ثم سرعان ما أصبحت من دعاة حماية البيئة.
وفي ستينيات القرن الماضي أرسى ديغول مبدأ عدم مشاركة فرنسا في حرب لصالح الغير، ورفض الانضمام لحلف شمال الأطلسي الناتو. ولكن شيراك خالف هذه السياسة وسعى إلى ضم فرنسا للناتو. كما أنه يعتبر أول زعيم فرنسي يعترف بدور حكومة فيشي العميلة للنظام النازي في الهولكوست النازي المزعوم ضد اليهود وتقديمه اعتذارا رسميا لليهود عن ذلك.
وقد أسس في عام 1976 حزب التجمع من أجل الجمهورية الديغولي الذي يمثل توجها جديدا للسياسات اليمينية المحافظة ولذلك اتهم وقتها بأنه السبب الرئيسي في الانقسامات التي شهدتها الحركة الديوغولية منذ عام 1974.
وكان شيراك قد تولى منصب رئيس الوزراء مرتين، أولاهما منذ 28 عاما في عهد الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان والثانية في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران قبل أن ينتخب رئيسا للجمهورية لولاية استمرت سبع سنوات. كما شغل منصب عمدة العاصمة باريس لمدة 18 عاما جعلته من أشهر الشخصيات السياسية البارزة في العاصمة الفرنسية.
شيراك خاض الانتخابات الرئاسسية الفرنسية أربع مرات تحت شعارات ذات توجهات يسارية تتعلق معظمها بالقضايا الاجتماعية، ولكنه سرعان ما عاد للسياسات المحيرة وعين فيما بعد على رأس وزارة المالية شخصا ذا توجهات يمينية محافظة للغاية.
أما في الانتخابات الحالية فقد تعهد الرئيس الفرنسي بخفض الضرائب بنسبة الثلث وشن حملة على الجريمة التى ارتفعت معدلاتها بصورة غير مسبوقة. وقد نال حوالي 20% من أصوات الناخبين في الجولة الأولى.
ومن أهم المحطات الحاسمة في تاريخ شيراك السياسي عام 1997 عندما غامر بحل الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات مبكرة أملا في زيادة أغلبية اليمين الديغولي في البرلمان. ولكن الرياح جاءت بما لايشتهي الزعيم الديغولي وفاز الحزب الاشتراكي وأجبر شيراك لمدة خمس سنوات على التعايش مع حكومة اشتراكية بزعامة ليونيل جوسبان.
أما في ما يتعلق بالجانب الخلقي، فإن شيراك متهم بتزعم نظام غير مشروع لتمويل الحزب حين كان عمدة لباريس. كما يواجه تهمة تقديم مبالغ نقدية مشكوك فيها إلى عائلته وأصدقائه لقضاء عطلهم. 