ــــــــــــــــــــــــ
أنور طاهر رضا، جامعة التاسع من أيلول كلية التربية، ازمير
قرأت في مجلة الجزيرة الالكترونية خبرا مفاده أن العاصمة الإماراتية أبو ظبي شهدت على مدى يومين مؤتمر "اللغة العربية والتعليم.. رؤية مستقبلية للتطوير" الذي نوقش فيه واقع اللغة العربية والتحديات التي تواجهها وكيفية النهوض بها. وفي نهاية المؤتمر أكد خبراء اللغة أن ما تعانيه لغة الضاد مرده ضعف الوعي السياسي العربي الراهن الذي أشاع نوعا من التكابر على لغتنا الأم. وطالب المجتمعون في المؤتمر بتطوير مناهج تعليم اللغة العربية، في إشارة إلى تدريس اللغات الأجنبية ولكن دون مزاحمتها للغة الأم. وعقب هذا المؤتمر استطلاع الجزيرة للقراء في كيفية النهوض باللغة العربية في حدود 300 كلمة.
وارتأيت أن أكون من المساهمين في هذا الاستطلاع رغم أني الآن أجد أن قلمي مقيد ب 300 كلمة أحاول بقدر الإمكان أن أوجز، ولكن أعذروني أذا ما تعديت الحدود. وجدت كما وجدت في غيره من المؤتمرات أن المؤتمرين أبعدوا عن أنفسهم القصور ولصقوها بغيرهم في العادة، وكان في هذه المرة غريبا كل الغرابة فنال الوعي السياسي العربي الراهن النصيب الكامل من هذا الاتهام، وكان دوره أغرب من ذلك في إشاعته نوعا من التكابر على اللغة أما العلاج الذي عقب هذا التشخيص فكان تطويرا للمناهج. وهذا العلاج جيد في إطاره، ولكن المشكلة تكمن دائما في كيفية توضيح هذا العلاج ووضعه قيد التنفيذ كما لا تخلو غرابة من سابقاتها توصية إلى تدريس اللغات الأجنبية مع ما فيها من حذر التخوف من مزاحمتها لغة الأم . ويبدو لي وأنا أقرأ هذه السطور أن المؤتمرين وقعوا بأنفسهم تحت طائل ما سموه بالوعي السياسي في الشعور بالنقيصة في البحث عن علاج اللغة العربية بغير اللغة العربية اللغة وأية لغة لا تعالج نفسها إلا بنفسها أضف إلى ذلك إذا كانت هذه اللغة هي اللغة العربية التي ليست فيها قصور، بل القصور في أهلها.
وأفهم من الخبر أن خبراء اللغة المؤتمرين وهم الذين اتخذوا القرار، رغم أن عنوان المؤتمر يتضمن التعليم أيضا وعلى ما يبدو لي أن كراسي التربويين كانت فارغة في هذا المؤتمر. ذلك لأن اللغة شيء وتربيتها شيء آخر. فأنا لا ألوم أحدا في هذا القصور غير التربويين أقول نحن التربويين السبب المباشر فيما آلت إليه اللغة العربية اليوم من إهمال واضح.
لقد عشت هذه المشكلة طالبا ومعلما وتربويا كأستاذ جامعي في دول عربية وأجنبية عديدة أكثر من نصف قرن من الزمان. مشكلة اللغة واحدة أينما كانت سواء في دول عربية أو أجنبية لقد كتبت ونشرت في هذا الموضوع مقالات كثيرة جدا أشير إلى البعض منها ، وللإيجاز اقتبس بعض عناوينها الأساسية والفرعية. وعذرا إذا لم يكن ذلك وافيا للغرض بسبب التقييد.
مشكلة اللغة العربية جزء من مشكلة التربية العامة رغم أني أجد أن مفتاح حلّ هذه المشكلة العامة يكمن في حلّ مشكلة اللغة أولا. ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى مشكلة التربية العامة أولا . لقد تناولت هذا الموضوع في مقالين هما:
رضا، أنور طاهر (2006) "معوقات الابتكار" مجلة الأبعاد الخفية - الكويت ، 6 (60) 4-8.
رضا، أنور طاهر (2006) " لماذا تفشل مدارسنا في تحقيق الابتكار؟" مجلة الأبعاد الخفية - الكويت ، 6 ( 63 ) 4-8.
حددت أنواع المعوقات بالمعوقات الشخصية والمعوقات العائلية والمعوقات المدرسية والمعوقات المؤسسية والمعوقات الاجتماعية ولعل أهم هذه المعوقات ما يتعلق منها بالمدارس. حصرنا أسباب فشل المدارس في تحقيق الابتكار بعدم توفير التربية الابتكارية وعدم تخصيص الوقت الكافي للابتكار والمشاكل المتعلقة بالأهداف التربوية والمناهج الدراسية الجامدة والمثقلة وطرائق التدريس النابعة من التربية المتركزة على المعلم وشحة استخدام الوسائل التعليمية وفقدان الجو الديمقراطي في التدريس وإهمال الفروق الفردية بين الطلاب والتقييم ذي الاتجاه الواحد والمعلم المتسلط والطالب المفتقد للدافعية العالية في التربية . ولعل الحلول تتضح على القارئ من مجرد التدقيق في هذه العناوين:
أما ما يتعلق الأمر بحل مشكلة اللغة باللغة نفسها فقد نشرتها في مقالات عديدة هي كما يأتي:
رضا، أنور طاهر ( 1994 ) "التقنيات التربوية لقصص الأطفال ." . المجلة العربية السعودية ، 18 (202) .
رضا، أنور طاهر ( 2003 ) "تقنية اثارة الابتكار في القراءة 1." . مجلة المنهل السعودية ، 63 (573).
رضا، أنور طاهر ( 2003 ) "تقنية اثارة الابتكار في القراءة 2 ." . مجلة المنهل السعودية ، 63 (574) ، 106-115.
رضا، أنور طاهر ( 2003 ) "في قصص الأطفال كنوز تربوية : ليتخيلوا - هم- نهاية القصة ." . مجلة المعرفة السعودية ، 99 ، 58-63
رضا، أنور طاهر (2004) "الآثار النفسية في القصص المروية" . مجلة الأبعاد الخفية – الكويت ، 4 ( 36 ) ، 10-14 .
رضا، أنور طاهر (2006) " لغة الأطفال المبتكرة بين مسؤولية العائلة والمدرسة " مجلة الأبعاد الخفية – الكويت ، 6 ( 62 ) 18-21 .
رضا، أنور طاهر (2008) " حملات قراءة القصص في المدارس " . أرسلت إلى مجلة التربية القطرية .
تعلم اللغة يتم عن طريق الاستماع والتكلم والقراءة والكتابة والأساس في هذه العمليات الأربع التي تنمي غيرها هي القراءة . ونحن شعب لا نقرأ . وهي السر في تأكيد الرب على القراءة بكونها أول أمر رباني إلى النبي محمد (ص) . فطرق التدريس المستخدمة لا تنمي عادة القراءة وهو ما يجب أن نبحث عنه . والقراءة ضرورة دينية ودنيوية في الوقت نفسه . يمكن ابراز أهميتها في تنفيذ الأمر الرباني وتخليصها الانسان من الأمية وفتحها الباب أمام التخصص وتوفير الاطلاع على الثقافات المحلية والعالمية وتغذيتها الروح وتسهيلها تكيف الانسان في بيئته وصقلها شخصيته .
وتحتل قراءة القصص أهمية خاصة من هذه القراءات . وهي ذات فوائد مباشرة وأخرى غير مباشرة . أما المباشرة منها فهي تطور اللغة وتزيد التحصيل وتغير الاتجاهات وتضاعف الابتكار وتضفي المعنى للمعلومات وتثير الدافعية لدى المتعلمين وتخلق علاقات حميمة بين المعلم والمتعلم ويمكن استخدامها في مضامين تعليمية مختلفة . أما الفوائد غير المباشرة فإنها تملأ أوقات الفراغ وتنمي العادات الدراسية الحسنة وتكسب مهارات البحث والتقصي وتدعم الخيال وتوسع الآفاق وتنمي الشخصية وتشخّص الأمراض النفسية وتعالجها .
وفي كل ذلك للعائلة دور وللمعلم دور آخر والأهم من كل ذلك دور الطالب نفسه. والحل الأنجع هو في إقامة حملات قراءة القصص في المدارس. ومن أهدافها زيادة الثروة اللغوية لدى التلاميذ والتمكن من اللغة والتحكم فيها والتعبير الصحيح عما يجول في خواطر التلاميذ وتسهيل اتصالهم بالآخرين وتذوق اللغة وحبها حبّا جمّا وتنمية عادات القراءة الحسنة لدى التلاميذ وخلق الكتّاب والمؤلفين والقصّاصين ورفع مستويات التلاميذ في الدروس الأخرى ودعم ما لديهم من خيال واستثماره في المجالات الأدبية أو التي تقع خارج الآداب ورفع مستويات الابتكار في كل ما يقوم به التلاميذ من أعمال.
تبدأ الحملة بدعوة من معلم اللغة العربية إلى التلاميذ للاشتراك في حملة قراءة القصص بعد شرح واف لأهمية القصص في حياتهم الدراسية وغير الدراسية . ومتى ما اقتنع التلاميذ بذلك يطلب منهم المشاركة الاختيارية في الحملة بتوقيع عقد يتعهد به التلاميذ بقراءة قصة في كل يوم مع أخذ الملاحظات اللازمة عنها وتلخيصها في دفتر خاص . ويتعهد المعلم بقراءة هذه الملخصات وإبداء الرأي فيها . ويتم الاتفاق أنه إذا لم يستطع التلميذ قراءة قصة في يوم ما فإنه يتكفل بقراءة قصتين في اليوم اللاحق أو يتم تلافي ذلك في نهاية الأسبوع . فالمسألة ترغيب أكثر من أن يكون ترهيبا.
وتستمر الحملة لمدة فصل دراسي واحد قد تعقبها حملة ثانية في الفصل اللاحق . ومتى ما تم تطبيقها مرتين أو ثلاث مرات ، والتزم الطرفان بتطبيق بنود العقد تكون عادة قراءة الكتب قد ترسخت ترسخا كاملا . ويتوقع أن تستمر فيما بعد ذلك . ويتوقع أيضا أن يكون بين هؤلاء التلاميذ ممن يبدأون بكتابة قصصهم الشخصية .
أيها المعلمون والآباء والآمهات جربوا هذا العلاج الناجع ، فهو علاج مجرب. واعتبروا من أن سبحانه وتعالى قد أمرنا في القرآن الكريم بقص القصص وسترون بعده أن اللغة العربية أضحت غذاء روحنا . ولن تستطيع هذه الروح أن تعيش بدون هذا الغذاء .
اذن القصور العلمي في بلادنا لا يرجع للغه الغربيه كما يدعي البعضفتجد الأستاذ بالجامعه يشرح للطلاب باللغه العربيه عدا بعض المصطلحات
فتجد الفهم الكبير لدى الطلاب ولكن عند القراءه يكون الفهم أقل لأن القراءه لاتكون باللغه الأم و بالرغم من انه في كثير من الأحيان يكون من ألف كتاب المادة هو استاذك الجامعي والذي يستطيع ان يكتب هذا الكتاب بكامله باللغه العربيه بعد ان يتعلمها جيدا إلا أنه يكتبه باللغه الأنجليزيه وفي كثير من الأحيان لاتكون مفهومه جيدا وهنا انا اتكلم من واقع تجربه توضح أهمية اللغه الأم في الفهم والأستيعاب ويجب اضافة إليها تعلم لغه أخرى تساعدك على متابعة التطور العلمي كطالب فنحن في الجامعه نتعلم الماده العلميه ولا نتعلم لغة هذه الماده واذا عدنا إلى التاريخ نجد ان نهوض أي حضاره يعتمد في بداياته على حركة ترجمه ونقل كبيره للعلوم كالحضاره الأسلاميه والحضاره الأوروبيه التي اعتمدت في بداية نهوضها على الترجمه وبشكل كبير لجميع العلوم لتسهل على طلابها الفهم
رمضان فوزي بديني، مصر، باحث بالمركز العالمي للوسطية بالكويت
تتوزع سبل النهوض باللغة العربية على عدة شرائح في المجتمع، لعل أهمها شريحة الدعاة إلى الله تعالى؛ حيث لهم دور كبير في هذا الأمر باعتبار اللغة هي الأداة التي يتواصلون بها مع الناس والتي يفهمون بها أمور دينهم، وقد حاولت ذكر أدوار الدعاة تجاه اللغة في المقالة التالية:
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}؛ تدل هذه الآية الكريمة على أن اتفاق اللسان واللغة سبب للإبانة والتبليغ اللذين هما المقصد الأساسي من إرسال الرسل والأنبياء لإقامة الحجة على الناس؛ فاللغة هي الوسيلة الأساسية لتوصيل الرسالة وتبليغها؛ لذلك أرسل الله كل رسول بلسان قومه ولغتهم حتى يحسن تبليغ رسالته وتوصيلها لقومه دون لبس أو تحريف أو تبديل.
وشاء الله -عز وجل- أن يشرف اللغة العربية ويعلي قدرها ويرفع ذكرها؛ فجعلها لغة الإسلام الأولى؛ فأنزل بها القرآن، وجعلها لغة نبيه عليه السلام؛ حيث قال عز من قائل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وقال عز وجل: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}.
فاللسان العربي هو شعار الإسلام ومن شعائر العرب التي يُكره تغييرها حتى في المعاملات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون".
وقال أيضا: "وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد؛ بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه". وتعلم اللغة ضرورة لفهم القرآن، فقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "من أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يُفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة".
وإذا كان الدعاة هم ورثة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الرسالة وتوصيلها للناس خالية من الشوائب نقية من العيوب.. فإن عليهم تعظيم شعار الإسلام المتمثل في اللغة العربية وتعلمها حتى يُحسنوا فهم النصوص فهما صحيحا ويبلغوها للناس بهذا الفهم دون تحريف أو تبديل. وقد قال الإمام الشافعي في معرض حديثه عن ابتداع الناس في الدين: "ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب".
وذهب ابن تيمية إلى أن معرفة اللغة واجب وفرض؛ حيث يقول -رحمه الله تعالى-: "اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيرا قويا بيّنا، ويؤثر أيضا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمةِ من الصحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ، وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرضٌ، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
نظرة على الواقع
لا يخفى على مراقب للواقع الحالي ما تمر به الأمة العربية والإسلامية من اغتراب ثقافي وتشظٍّ فكري، ربما يكون انعكاسًا لواقع سياسي مأزوم، له أثره المباشر والواضح على اللغة العربية التي تعاني من هجران اجتماعي وتنحية لها من معظم مظاهر الحياة العامة، حتى انزوت في بطون الكتب والمراجع التراثية المقصورة على الباحثين والأكاديميين.
وحال الدعاة في التعامل مع الواقع المأزوم للغة العربية لا يختلف كثيرًا عن باقي شرائح المجتمع؛ فالمتتبع له يجده على النحو التالي:
أولا- فريق تشدد في تدينه ودعوته فتشدد في لغته وخطابه؛ فهو يستخدم من الألفاظ أصعبها ومن العبارات أعقدها ومن المعاني أبعدها عن الفهم، وكأنه في سوق عكاظ أو ذي المجاز أو المربد، أو كأنه يتحدث أمام حكام العرب في اللغة والأدب كالنابغة الذبياني أو الأقرع بن حابس.
وكان من نتيجة ذلك ما يلي:
1- حجب دعوته عن قاعدة عريضة من عامة الناس، ومن وقفت معارفهم عند محو أميتهم في القراءة والكتابة.
2- كانوا سببا في نفور كثير من الناس من الدين والدعوة إليه؛ لظنهم أن هذه اللغة المتقعرة من طقوس هذا الدين، وعليهم إذا أرادوا الدعوة أن يتقنوها.
3- كانوا سببا في نفور بعض الناس من اللغة العربية وإتقانها؛ لظنهم أن ما ينطقه هؤلاء هو المعبر الحقيقي عن اللغة فانصرفوا عنها واتجهوا لغيرها من اللغات.
4- ابتعدوا عن روح الإسلام السهلة السمحة التي تتجلى سماحتها في لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
5- أوجد فرصة للمتربصين بالدين أن يستهزئوا من كل داعية ومتدين، كما نجد في كثير من وسائل الإعلام من يتقعر في اللغة، بل وربما ينطق بعض الألفاظ والعبارات الخارجة عن حدود اللغة أصلا؛ باعتبار أن هذه هي لغة المتدينين.
ثانيا- فريق أراد التيسير في الدين لتحبيب الناس فيه وسرعة وصوله إلى قلوبهم وعقولهم؛ فحسنت نيتهم وساءت وسيلتهم؛ حيث تساهلوا في اللغة أيما تساهل وأغرقوا في العامية ولهجاتها؛ فنزلوا إلى حضيض المجتمع وبدل أن يرتقوا به وبلغته تأثروا به وأقروه على ما هو عليه؛ فتجد لغة أحدهم أمشاجا مختلطة من اللغة العامية وبعض الألفاظ والمصطلحات الأجنبية وبعض العبارات باللغة الفصحى وما يحفظه بالكاد من شواهد قرآنية أو أحاديث نبوية، أو إن تحسن حاله قليلا حفظ بيتًا أو بيتين من الشعر. متناسين أن كثيرًا من مدعويهم الذين نزلوا إليهم يتقنون أكثر من لغة أجنبية، وأنهم قادرون على إتقان العربية إن وجدوا منهم تشجيعا على ذلك. وقد ساعد على انتشار هذا الأمر تنامي ما سمي بظاهرة "الدعاة الجدد".
وربما يحاول البعض تلمس العذر لهؤلاء الدعاة بأنهم لم يتخرجوا في معاهد دينية أو لغوية حتى يتقنوا اللغة، ولكن كيف يفهمون معالم الدين ومقاصده دون أن يفهموا لغته التي وصل بها إلينا؟! وكيف نأمن على دعوة هؤلاء وأنهم سيحسنون توصيل الدين للناس وهم لا يتقنون لغته؟ ألا يخشى هؤلاء أن يحرفوا أو يبدلوا أو يسيئوا فهم الدين دون أن يشعروا؛ فيكونوا سببًا في إضلال الكثير؟.
إننا لا ندعوهم إلى أن يكونوا جهابذة في اللغة، ولا نقول لمن لا يتقن اللغة "توقف عن الدعوة"؛ فالرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- قال: "بلغوا عني ولو آية..."، ولكن على من يتصدى للدعوة العامة في الناس أن يتعلم من اللغة ما يفهم به الدين، وما يحسن به تبليغه للناس، دون لبس أو إلباس.
وكان من نتيجة هذا الموقف ما يلي:
1- قصر هؤلاء دعوتهم على أبناء عاميتهم فقط، وحجبوها عن شريحة كبيرة خارج إطارهم؛ فمن يتحدث العامية المصرية مثلا فسيصعب فهمه على عوام بلاد المغرب والخليج، ومن يتحدث بعامية أهل الخليج فسيصعب فهمه عن غير سكان الخليج؛ بل وربما نجد في البلد الواحد لغات ولهجات مختلفة.
2- يجد هؤلاء نفورًا من بعض كبار المثقفين والأكاديميين الذين لا تروق لهم هذه العامية المفرطة.
3- لغة هؤلاء تكون شوهاء متنافرة؛ فهذا الداعية العامي إذا استشهد بآية قرآنية أو حديث نبوي أو قول مأثور فإن الأذن تشعر بنشاز حين انتقاله من لغته هو العامية إلى هذه اللغة الراقية.
4- ربما يتهم هؤلاء بتمييع الدين والتفريط في اللغة التي نزل بها والتي نتعبد الله بها، وشجعوا الكثير من الشباب على عدم الاهتمام عن اللغة العربية، راضين بما يسمعونه من دعاتهم وقدواتهم من عامية.
5- قصّر هؤلاء دون أن يدروا في جانب مهم من الدعوة؛ وهو الدعوة إلى احترام لغة القرآن وتقديسها، والارتقاء بها؛ فاللغة قيمة دينية وحضارية لا تقل عن كثير من قيم الدين التي يدعو هؤلاء الدعاة إليها.
ثالثا- فريق وسطي في دعوتهم ولغته؛ فلغته سهلة عذبة رقراقة، تصل إلى الأذن فتطربها وإلى العقل فتحركه وإلى القلب فترققه، يفهمها المثقف والأمي، كما يفهما المفكر والنخبوي، يفهمها أبناء عامة الناس كما يفهمها أبناء الطبقة المخملية.
تجد أحدهم يتكلم الساعات الطوال فلا تكل ولا تمل؛ فعبارته مفهومة ولغته واضحة ومعانيه سهلة، تجد اتساقا في كلامه بين ما ينطق به وما يستشهد به من آثار؛ فإذا استمعت له أنصتَّ وإذا قرأت له تدبرت؛ فالإنسان أسير الإحسان، وهو قد أحسن إليك إذ لم يشق عليك بعبارته ولم يرهقك بألفاظه، وأيضا لم تجد أذنك منه نشازًا، ولم يُسمعك من القول عوارًا.
ونتائج هؤلاء أكثر من أن تذكر وأكبر من أن يحاط بها؛ فليس أكبر ولا أعظم ممن تألفت حوله القلوب وتشنفت له الآذان وفتحت له العقول؛ فحبب الناس في دين الله فأحبوه؛ فهو يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم ويبشر ولا ينفر، استوعب قول الله تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}؛ فهو قد لان قلبه فلانت عبارته دون ميوعة، ورَقَّ طبعه فلم يغلظ قوله.
واجب الدعاة تجاه اللغة
إذا كان على الدعاة واجب الدعوة إلى دين الله تعالى والتمسك بأخلاق الإسلام وآدابه وقيمه؛ فليعلموا أن عليهم واجبا كبيرا تجاه اللغة التي نزل بها هذا الدين والتي نعبد الله تعالى بها، وتتمثل هذه الواجبات فيما يلي:
1- اقتناع الداعية أولا بفضل اللغة ومكانتها من الدين ودورها في نهضة الأمة وتقدمها؛ فقناعته تنعكس على موقفه وسلوكه تجاهها.
2- تعزيز الثقة باللغة العربية عند الناس؛ باعتبارها مكونًا من مكونات الأمة والاعتزاز بها حفاظًا على كيان الأمة واعتبار التفريط في اللسان العربي القرآني تفريطا في الهوية...
3- على الدعاة أن يحرصوا على أن يكون حديثهم باللغة الفصيحة السهلة الواضحة.
4- أن يحرص الداعية على أن يكون في مكونات ثقافته تعلم اللغة بالقدر الذي يسمح له بالتحدث بها دون إخلال بالمعاني.
5- حرص الدعاة على عدم إدخال مصطلحات أجنبية في أثناء حديثهم إلا ما دعت إليه الضرورة.
6- عدم اللجوء إلى اللهجات العامية إلا في أضيق الظروف كأن يروي الداعية مثلا قولا أو حديثا سمعه من أحد العوام، وأراد إيصاله كما سمعه.
7- على الداعية أن يفرد أحاديث ولقاءات للغة العربية ومكانتها ودورها في نهضة الأمة وفضل تعلمها والاهتمام بها.
8- يحرص الداعية في أثناء لقاءاته على أن يدرب الناس على التحدث باللغة الفصيحة؛ فيجعل الحوار بينه وبين الناس بالفصحى، دون مشقة أو إحراج لأحد.
9- ربما يتفق بعض الأئمة في مساجدهم على تخصيص أسبوع للغة العربية تكون التوصية فيه بأن يكون الحديث خلال الأسبوع كله باللغة الفصيحة حتى في حوارات الحياة العامة حتى يألف الناس اللغة.
10- على الجامعات الشرعية ومعاهد إعداد الدعاة الاهتمام باللغة العربية وحسن تحدث الطالب بها، على أن يكون ذلك بصورة عملية تطبيقية دون الاقتصار على القواعد والمتون فقط، كما هو الحال الآن في بعض المعاهد.
11- على الدعاة في الغرب الحرص على تعليم اللغة لغير الناطقين بها عن طريق القيام ببعض الدورات التدريبية، وطباعة بعض الكتيبات المبسطة لتعليم اللغة، وتحبيبهم فيها، وتشجيعهم على تعلمها.
12- على وزارات الأوقاف والهيئات الدعوية الرسمية إجراء دورات تدريبية للأئمة والدعاة في اللغة وفروعها المختلفة بما يتيح لهم حسن التحدث بها.
13- تحفيز الشباب في الكليات العلمية المتخصصة على أن تكون من موادهم الاختيارية مادة تتعلق بالثقافة واللغة العربية، إن تيسر ذلك.
14- تنظيم حملات لأصحاب المحال التجارية وتوعيتهم بأهمية استخدام اللغة العربية في أسماء وعناوين محالهم، بدلا من الأسماء والعناوين الأجنبية.
15- تحفيز الطلاب على الاستفادة من الإجازة الصيفية في إتقان الخط العربي والقواعد الإملائية؛ بحيث يوجد من يجمع بين جمال الخط العربي وجمال القواعد اللغوية.
16- الاهتمام بأن تكون أسماء الأطفال باللغة العربية المناسبة للعصر؛ فلا تكون فصحى متقعرة ولا عامية مفرطة، ولا أجنبية وافدة.
وفي النهاية، فإن لغة جميلة وحيوية كلغتنا يجب أن نتباهى بها بين الأمم وأن يفخر بها أبناؤها ويبحثوا عن صدفاتها فيخرجوها نقية صافية زكية؛ كالوردة الفيحاء التي تعجب الناظرين في حديقة اللغات.
فالعجب أن نملك مثل هذا الكنز الثمين ثم نتخلى عنه ونهرب منه وربما يجد البعض حرجًا في الانتساب إليه!! حتى هانت علينا لغتنا التي هي سر نهضتنا، وهانت علينا أنفسنا، فهُنَّا على الناس وأصبحنا في ذيل الأمم..
فهل يدرك الدعاة عظم المأساة، ويقومون بواجبهم تجاه أمهم الرءوم التي تستحق منهم الكثير؟.