لا تتوقف الحرب السورية عن حصد المزيد من أرواح المدنيين الذين يصارعون أشكالا متعددة من الموت المحقق، موت قد يكون "سريعا" بقذيفة أو برميل متفجر أو غارة تحوّل كل الأجساد والمباني والأحلام إلى مجرد أشلاء وركام.

كما أن هذا الموت المحقق قد يكون بطيئا، لينتزع كل يوم من الأجساد عافيتها ويحوّلها إلى مجرد هياكل عظمية، فما يمارسه النظام السوري والمليشيات الموالية له من حصار قاتل على عدة مدن سورية ينذر بما هو أسوأ.

وفي ظل سياسة الحصار والتجويع التي يتبعها النظام السوري مسنودا بمليشيا حزب الله بحق المدن والبلدات السورية بهدف تركيعها، تتدهور الأوضاع المعيشية والصحية لسكان هذه المناطق بشكل متسارع، فكل يوم جديد يحمل بين طياته صورا مفجعة وصادمة.

علي عوكر فارق الحياة بسبب نقص الغذاء في مضايا قبل أيام (ناشطون)

وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن عدد المناطق السورية المحاصرة  يبلغ 15 منطقة، فمن دير الزور (شرق) وريف حمص (وسط) إلى غوطتي دمشق، يصارع عشرات الآلاف شبح الموت جوعا.

مدخل معضمية الشام أغلقه النظام بالكتل الإسمنتية والسواتر الترابية منذ شهر (ناشطون)

فبعد مدن مضايا والزبداني وبقين، يتسلل الجوع إلى مدينة معضمية الشام، وها هو يحصد أرواح سبعة من أبنائها.

وبينما يلجأ النظام إلى مواصلة محاصرة هذه المدن وإغلاق جميع مداخلها ومنافذها الرئيسية والفرعية، وقطع عنها كل شيء ومنع أهلها من مغادرتها، لا يجد الأهالي سوى القليل ليسد رمقهم من جوع قاتل.

حاجز لقوات النظام بمحيط مدينة مضايا المحاصرة (الجزيرة)

تفرض قوات النظام واقعا جديدا على الأهالي المحاصرين، فانقطاع المؤن أو نفادها أو بيعها بأسعار خيالية لا يمكن توفيرها جعل الآلاف يقتاتون من الأعشاب.

أوراق الدوالي والأعشاب وجبة الطعام في مضايا والزبداني وبقين بريف دمشق (الجزيرة)

بينما التجأ آخرون إلى نبش حاويات القمامة علّهم يجدون ما يبقيهم على قيد الحياة.

يبحث عما يسد الرمق في حاويات القمامة بمعضمية الشام (ناشطون)

وتشهد المناطق المحاصرة توقفا في جميع مقومات الحياة: فلا كهرباء ولا ماء ولا وقود، مما دفع العائلات لقطع الأشجار واستغلال خشبها لتدفئة برودة شتائهم وإنارة ظلمة ليلهم.

أهالي معضمية الشام يقطعون أحد الأشجار لاستغلال حطبها (الجزيرة)

وفي ظل انخفاض درجات الحرارة بشكل ملحوظ، لا تجد العائلات المحاصرة ما يقيها من برد الشتاء حتى لو اضطرت لحرق أثاثها المنزلي.

الثلج والبرد يفاقمان معاناة المحاصرين بمضايا (الجزيرة)

هذه الأوضاع الإنسانية المتردية، فاقمت الضغوط على المشافي الميدانية والمراكز الطبية الصغيرة، التي باتت مطالبة بتوفير ما يبقي المحاصرين الجوعى على قيد الحياة.

أطفال مضايا يتناولون الملح بالمشفى الميداني (ناشطون)

 كما أن الأوضاع ذاتها دفعت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) لإعلان أن ملايين السوريين يتضورون جوعا.

سياسة التجويع جعلت الأجساد نحيلة وسقيمة (ناشطون)

ووفق رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا ماريان غاسر فإن "كبار السن والنساء والأطفال هم أكثر من يعانون، وظروف معيشتهم من بين أصعب ما أتيح لي رؤيته في السنوات الخمس التي قضيتها في البلاد. وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر".

طفل لقي حتفه بمعضمية الشام جراء سوء التغذية (ناشطون)
وتؤكد الأمم المتحدة أن نحو أربعمئة ألف مدني يعيشون ظروفا قاسية في بلدات تحاصرها القوات الحكومية أو فصائل المعارضة في 15 موقعا بالبلاد حيث أوقع النزاع أكثر من 260 ألف قتيل منذ 2011 وأرغم نحو 11 مليون شخص على النزوح داخل البلاد أو اللجوء خارجها.

المصدر : الجزيرة