قد يفسر البعد الجغرافي بين الزبداني -شمال غرب دمشق- وقريتي كفريا والفوعة -شمال إدلب
(300 كلم) فشل أي توجه للهدنة، فالبون شاسع بين الطرفين المتحاورين كما بين المنطقتين، وفي لعبة الشطرنج السورية جعلت إستراتيجية الأمكنة وتحولات الجبهات واللاعبين السياسيين الهدنة مستعصية.

والهدنة في المناطق الثلاث -التي انتهت فجر السبت- هي الثانية التي تنهار في أقل من ثلاثة أسابيع، واستؤنف القصف بعنف أشد على قريتي كفريا والفوعة الشيعيتين من قبل المعارضة السورية المسلحة، كما تجدد قصف الجيش السوري وحزب الله على الزبداني واشتعلت الاشتباكات مع مسلحي حركة أحرار الشام وجبهة النصرة.

وتميزت اتفاقات وقف إطلاق النار في سوريا بالهشاشة، ولم تفلح محاولات الأمم المتحدة لعقد هدنات أطول في أجزاء أخرى من سوريا مثل مدينة حلب في الشمال، كما فشلت تجربة المصالحات نسبيا وخرق العديد منها نتيجة تداخلات عديدة في الأزمة السورية.

كتائب المعارضة تستهدف كفريا والفوعة المواليتين للنظام بريف إدلب بصاروخ بعد انهيار الهدنة (ناشطون)

هشاشة الوضع
وجرت مفاوضات بين وفد إيراني وحركة "أحرار الشام" على الأراضي التركية لإقرار هدنة الـ48 ساعة، ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين المسلحين من جهة وقوات النظام وحزب الله من جهة أخرى في الزبداني وكفريا والفوعة، حيز التنفيذ يوم الخميس صباحا، لتعَمر لمدة 48 ساعة.

وكان الاتفاق يهدف إلى إتاحة الفرصة أمام المفاوضات بشأن انسحاب المسلحين من الزبداني وبلدة مضايا بشكل آمن مقابل خروج نحو مئات المدنيين من بلدتي كفريا والفوعة، إضافة إلى إدخال مواد طبية وغذائية وإخراج الجرحى من البلدات والمدن السابقة والتفاوض على نقاط أخرى.

وكما حصل في الهدنة التي جرت منتصف أغسطس/آب الجاري لم يعلن الطرفان عن نقاط الخلاف التي أدت لانهيار الهدنة، لكن نقاطا عديدة تضافرت لتفرز العودة إلى السلاح في المنطقتين لعل أبرزها عدم نضوج الظروف لمثل هذه المبادرات والتوجس الدائم من قبل المتفاوضين.

ووفقا لمصادر المعارضة لم تكن "أحرار الشام" -وهي الطرف الأساسي في المفاوضات- تريد الاكتفاء بعملية إخلاء المدنيين أو وقف إطلاق النار، بل هي تطالب بالإفراج عن آلاف المعتقلين من سجون النظام السوري.

وتشير المصادر من "أحرار الشام" إلى أن التنظيم يرفض تغيير ديمغرافية الزبداني أو أي منطقة سورية، معتبرا أن هناك من يريد إخلاء المدنيين وإدخال الإيرانيين مكانهم.

وتؤكد بعض المصادر أن المفاوض الإيراني قبل شرط "أحرار الشام" بإخلاء سبيل عدد كبير من المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام، لكن النظام رفض هذا الشرط باعتباره أحد الأوراق السياسية المهمة التي يحتفظ بها.

كما ذكرت مصادر مقربة من المفاوضات أن المعارضة المسلحة كان لديها تحفظ على الجهة التي ستقوم بإخراج الجرحى، حيث كان من المقرر أن يخرجهم الهلال الأحمر السوري، وهو ما رفضته المعارضة.
 
ومن النقاط الأخرى العالقة أن المفاوضين الإيرانيين طلبوا خروج كل أهالي كفريا والفوعة عبر ممر آمن إلى مناطق سيطرة النظام، مقابل تأمين ممر مماثل لجميع الموجودين داخل الزبداني. فيما وافقت "أحرار الشام" فقط على أن يخرج من كفريا والفوعة جميع النساء والمسنين، والذكور الذين تقل أعمارهم فقط عن الخمس عشرة سنة.

وكان الجيش السوري ومليشيات حزب الله اللبناني قد شنا الشهر الماضي هجمات لإخراج المعارضة المسلحة من مدينة الزبداني التي يعتبرها الجيش السوري مهمة بسبب قربها من العاصمة دمشق والحدود اللبنانية كما تتعرض بلدتا كفريا والفوعة إلى هجمات دائمة من قبل المعارضة. 

إحدى المدرعات التي اغتنمتها المعارضة المسلحة في الزبداني (الجزيرة)

إستراتيجية المدن
ويقول النظام إن قواته تسيطر على معظم الزبداني، عدا كيلومتر ونصف مربع من المدينة بما يشي بإمكانية حسمها المعركة عسكريا، كما تؤكد المعارضة المسلحة قدرتها على دخول كفريا والفوعة، وهو ما قد يحصل قريبا.

وتبلغ مساحة الزبداني (ريف دمشق) حوالي 395 كيلومترا مربعا وتكمن أهميتها عسكريا في قربها من لبنان، 11 كيلومترا عن الحدود اللبنانية السورية، ومن دمشق، حيث تبعد عنها 45 كيلومترا فقط، ويعتبر النظام وجود المسلحين فيها تهديدا دائما للعاصمة.

وتعني سيطرة النظام على الزبداني تأمين الحدود اللبنانية بالكامل والشريط اللبناني السوري من مسلحي المعارضة وإقفال معابر الإمداد والتهريب مع لبنان إضافة الى تأمين ريف دمشق الغربي والعاصمة دمشق.

كما تعني السيطرة على المدينة تقلص المخاطر المستقبلية للمعارضة المسلحة على خط بيروت دمشق وتسمح لجيش النظام بالقيام بعمليات عسكرية "مريحة" في مناطق وجودها في ريف دمشق، لإبعادها أو الحد من إمكانية تحركها وفقا للخبراء العسكريين.

كما سيضع سقوط الزبداني فصائل المعارضة المسلحة في مساحات جغرافية محددة يصعب بعدها عليها التحرك بسهولة، ويشكل خطرا على نقاط تواجدها في الغوطتين.
 
ويرى الباحث العسكري والإستراتيجي إلياس فرحات في حديث للجزيرة أن عملية الزبداني تمثل جزءا من عملية القلمون التي بدأها الجيش السوري وحزب الله  قبل شهر ونصف بمنطقة جبال القلمون التي يتحصن فيها تنظيم القاعدة ممثلا في جبهة النصرة وتنظيمات أخرى.

ومن جهته يشير الخبير العسكري والإستراتيجي أسعد الزعبي -للجزيرة- إلى أن الزبداني تمثل البوابة الحقيقية للقلمون الغربي، وأنها رغم تعرضها للحصار منذ ثلاث سنوات، لم تتمكن قوات النظام أو مليشيات حزب الله من دخولها، رغم فارق التسلح بينهما وبين الثوار داخل المدينة.

كما تكمن أهمية مدينة الزبداني بامتدادها الجغرافي الجنوبي مع ريف القنيطرة -الذي يسيطر على معظمه مقاتلو المعارضة- وبالتالي قدرة مقاتلي المعارضة على قطع طريق دمشق، وتهديد العاصمة من الجهة الجنوبية.

وبالنسبة لكفريا والفوعة، فقد تم حصارهما بشكل كامل من قبل جيش الفتح منذ نهاية مارس/آذار الماضي، وبقيت القريتان الوحيدتان في شمال إدلب اللتان لم تخضعا لسيطرة المعارضة التي استولت على مساحات شاسعة في محافظة إدلب، وشن جيش الفتح عدة هجمات للسيطرة عليها.

وتعد عملية السيطرة على كفريا والفوعة، إضافة إلى الأهمية العسكرية بسيطرة المعارضة على كل الريف الشمالي الغربي لإدلب ضربة نفسية لجيش النظام ومؤيديه، إذ من الممكن أن تعجل بسقوط مناطق أخرى وربما يكون لها دور مؤثر بمسار الحرب.

وتقول مصادر المعارضة إن مدينة الفوعة تتميز بتحصينات كبيرة، حيث تقسم إلى ثلاثة خطوط دفاعية تضم دشما وخنادق وألغاما وأسلحة ثقيلة حديثة ومتنوعة والآلاف من أفراد المليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله، وهو ما صعب عملية اقتحامها.

وتؤكد المفاوضات بشأن القريتين ومدينة الزبداني -رغم فشلها- على عدة حقائق في الأزمة السورية أبرزها الدور الإيراني الفاعل فيها، والآخر التركي الذي يرعاها، كما أكدت دخول العنصر الطائفي بقوة -بالنظر إلى الانتماء الطائفي للمناطق الثلاث- كما تشير إلى صعوبات الحوار الشامل في سوريا سواء ضمن "جينيف3 " أو أي إطار آخر.

المصدر : الجزيرة