زهير حمداني

جاءت الأخبار إلى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وهو في طهران، على غير ما يشتهيها، لم يعد نائبا لرئيس الجمهورية، وأصبح ضمن لائحة متهمين بالإهمال في سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة ومحالا إلى الادعاء العام.

القرار -الذي يأتي ضمن توجه إصلاحي لرئيس الوزراء حيدر العبادي- فسح المجال لفضح المسكوت عنه ومحاكمة مسؤولي العراق في الفترة الماضية، وهو يظهر ضوءا في آخر النفق يشي بإمكانية محاسبة حقبة كان لها تأثيرات سلبية كثيرة في المشهد السياسي العراقي، كما يقول كثيرون من النخبة السياسية العراقية.

وأحال البرلمان إلى المدعي العام الاثنين تقريرا يدعو لمحاكمة المالكي (رئيس الحكومة السابق) لمدة ثماني سنوات (2006-2014) و35 من كبار المسؤولين الآخرين، ودعت لجنة التحقيق البرلمانية المالكي والمسؤولين الآخرين للمثول للمحاكمة بتهمة الإهمال من بينهم أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق.

البرلمان العراقي أحال تقرير سقوط الموصل إلى الادعاء العام (الجزيرة)

سقوط مدينة ونظام
واتهم التقرير المالكي والمسؤولين الآخرين بالتقصير، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء السابق لم تكن لديه صورة دقيقة عن الخطر المحدق بالمدينة وأنه اختار قادة منغمسين في الفساد، كما أنه لم يحاسبهم.

واكتفى المالكي -في رد فعله- بوصف النتائج التي خرجت بها لجنة التحقيق بأنها "لا قيمة لها". وأشار في صفحته على فيسبوك إلى أن "ما حصل في الموصل كان مؤامرة تم التخطيط لها في أنقرة ثم انتقلت المؤامرة إلى أربيل".

وينظر العراقيون -أو على الأقل أغلبهم- إلى سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة على أنه من أكبر النكسات التي مني بها العراق الحديث بعد سقوط بغداد عام 2003، إذ تمكن ذلك التنظيم من اكتساح ثالث مدينة عراقية في فترة وجيزة رغم وجود قوات عسكرية ضخمة بها.

ويقر التقرير بأن سقوط مدينة الموصل كان سببا في احتلال ثلث أرض العراق التاريخية والمقدسة، وسببا في سيطرة "الإرهابيين" على عدد كبير من الآبار النفطية، وتسبب بإعدام آلاف من أبناء الموصل.

كثيرون بالعراق يرون في القرار محاكمة لعهد المالكي برمته باعتباره كان سببا في تفشي الفساد بدوائر الدولة وغض الطرف عن النهب وغياب الشفافية والمحاسبة في هياكل الدولة، إضافة للمعالجات الطائفية والأمنية للأزمات وأهمها في الأنبار، مما جعل مناطق في العراق تقع فريسة سهلة بيد تنظيم الدولة.

كما يؤكد الكثير من المحللين أن محاسبة المسؤولين بالعهد السابق طبيعية ويجب أن تتم بعد أن ضيعوا مليارات الدولارات هباء، وأضاعوا فرصة بناء العراق وإعماره وتحقيق المصالحة بين فئاته وأبنائه، بل وأيقظوا الفتنة الطائفية كسبيل للهروب من مأزقهم الخروج من دائرة المحاسبة.

ويرى رئيس مجلس النواب سليم الجبوري أن تقرير سقوط الموصل "يوثق لمرحلة مهمة وخطيرة من تاريخ العراق الحديث" معتبرا أن "إنجاز التحقيق هو الخطوة الأولى في عملية المحاسبة، وأن على القضاء أن يأخذ دوره بشكل مباشر، في محاسبة المتورطين والمتسببين والمقصرين".

ومنحت المظاهرات الحاشدة التي خرجت في المدن العراقية -بعد أن ضاق الناس ذرعا بالفساد وقد ذوبتهم حرارة الصيف القائظ في ظل غياب التيار الكهربائي- الشجاعة للجنة بأن تصدر تقريرها بعد عام، كما أعطت العبادي المشروعية ليتخذ كل تلك القرارات مخترقا صمت سنوات عجاف.

حيدر العبادي أقر بعدة إصلاحات على خلفية حراك شعبي (الجزيرة)

نهاية حقبة
وقد حملت التحولات الجديدة في المشهد السياسي العراقي بعد المظاهرات مناخا مناسبا لإمكانية محاسبة حقبة المالكي، فقد حصل العبادي على شبه تفويض من المرجعيات الدينية الشيعية بالمضي قدما في الإصلاحات حتى وإن لامست بعض ما كان يعتقد أنه من المحظورات.

كما أن المزاج الشعبي العام في العراق بات يطالب بإصلاحات جذرية على الصعيد الاقتصادي لمنح المواطن الحق في حياة كريمة في بلد ينتج ملايين البراميل من النفط، والإصلاح الحقيقي لا يتم من دون محاسبة وإعادة ترتيب على الصعيد السياسي.

كما أن الولايات المتحدة التي لا تحتفظ بعلاقات ودية مع رئيس الوزراء السابق -الذي دخل عدة مرات في خلاقات معها واتهمها بدعم الأكراد في نزعاتهم الانفصالية عن العراق- لن تقف ضد أي اتجاه لمحاكمة المالكي.

وفي هذا السياق، فإن عملية محاكمة المالكي قد تلطف الأجواء إلى حد ما ضمن مكونات الحكومة العراقية، إذ أن الكتلة السنية بالبرلمان والمكونات السنية للمجتمع العراقي بشكل عام وكذلك الأكراد لا تحتفظ بعلاقات ودية مع المالكي، وكان لديها الكثير من التحفظات على سياساته.

وقد يمهد هذا الاتفاق إلى فك الاشتباك في العديد من المسائل داخل البرلمان العراقي في اتجاه انفتاح سياسي، والتقليص من الورقة الطائفية في التعامل مع ملفات عديدة بينها الاقتصادي وربما الاتجاه نحو نوع من المصالحة.

وقد يكون المالكي خرج إلى طهران مستجيرا من "عاصفة سقوط الموصل" التي أثيرت بعد أن سكنت لبرهة، وقد تطول فترة مكوثه هناك بعد أن تأكد من "نهاية حقبته الجميلة". وقد يفسح ذلك المجال لعراق آخر، ربما يصبح قابلا للإصلاح.

المصدر : الجزيرة