تتناول حلقة "تجهيل القدس" هذا الأسبوع من برنامج "فلسطين تحت المجهر" التي تبث الأربعاء المقبل الساعة 5:45 بتوقيت مكة المكرمة، سياسة الاحتلال الإسرائيلي في بيت المقدس لتخريج نشء غير متعلم وجاهل يسهل تخليه عن هويته وجذوره.

ويعمل الاحتلال الإسرائيلي مكرا وقهرا على سلب الجيل الجديد حقه في التعليم حتى المرحلة الجامعية، ويؤدي ذلك إلى خلق تركيبة ديمغرافية تتكون من أقلية عربية غير متعلمة وطاعنة في السن لاضطرار من يبقى في قيد التعليم من الشباب للهجرة خارج القدس، وربما إلى الأبد لمواصلة دراسته الجامعية.

فقد أدركت إسرائيل ومنذ استيلائها على الضفة الغربية في يونيو/حزيران 1967 أهمية إخضاع النظام التعليمي الفلسطيني لقبضة سلطات الاحتلال بغية تسهيل السيطرة على كامل الأرض، ولقمع الجيل الجديد الذي يعد الشريان النابض للشعب الذي أسماه بن غوريون "الصغار".

وفي هذا السياق غيرت إسرائيل المناهج العربية بما يتلاءم ومتطلبات الاحتلال، وأدخلت شهادة "البجروت" عوضا عن شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) غير المعترف بها في الجامعات العبرية، ليتبع ذلك بعدم اعترافها بشهادة جامعة القدس (العربية).

يخضع المعلمون الفلسطينيون لمراقبة صارمة في كل ما يعلمونه لطلابهم، ويتم استدعاء كل معلم أو معلمة إلى الأجهزة الأمنية إن تجرأ على تعريف الطلبة بالنكبة

طمس التاريخ
وحتى الطلاب الفلسطينيين الذين يختارون "البجروت" طموحا في دخول إحدى الجامعات العبرية، ويضطرون لحفظ وثيقة الاستقلال الإسرائيلية عن ظهر قلب -تلك الوثيقة التي تعبث بالتاريخ الفلسطيني- لا يستطيعون دراسة بعض التخصصات في الجامعات الإسرائيلية كهندسة الجينات في كلية الطب مثلا، ناهيك عن منعهم من دراسة الطيران، فهذه تخصصات تعد محظورة.

ويبدأ القمع الثقافي من الصف الأول الابتدائي بعدم توفير مقاعد دراسية كافية، وإن توفر المقعد غالبا ما يكون في مكان بعيد عن مكان السكن لندرة المدارس أصلا، ثم تكون معاناة أخرى عند الحواجز التي يسمونها "أمنية".

أما الكتب المدرسية التي أقرت بعد معاهدة أوسلو فقد "نقحها" متخصصون من إسرائيل والولايات المتحدة، وحذفوا منها نصوصا ورسوما وصورا، فأضحت بعض صفحات المناهج إما بيضاء أو مشوهة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر حذف العلم الفلسطيني من سارية يضمّانها طفل وطفلة، فباتت الصورة بعد حذف العلم وكأن الطفلين يتشاجران على محض عصا!

أما المعلمون الفلسطينيون فيخضعون لمراقبة صارمة في كل ما يعلمونه لطلابهم، ويتم استدعاء كل معلم أو معلمة إلى الأجهزة الأمنية إن تجرأ على تعريف الطلبة "بالنكبة". لكن لا يبدو أن ذلك سيفت من عزيمة المعلمين، فتهريب الكتب غير المعدلة "أوسلويا" يقع على عاتقهم، ليذكرنا ذلك بعهود استبداد القيصرية الروسية إبان احتلالها لبولندا.

مهربو الكتب الفلسطينيون يهربون كتب المناهج غير المشوّهة حتى يعلموا الأجيال شيئا عن فلسطين وتاريخها وكثيرا عن العربية وجمالها، وحتى يبينّوا أيضا أن الطفلة والطفل في كتاب القراءة لا يتشاجران على عصا، بل يرفعان راية ليفندا مقولة بن غوريون، بأن "الكبار" وإن ماتوا "فالصغار" لا ينسون.

المصدر : الجزيرة