محمد أفزاز-الدوحة

أكد مشاركون في مؤتمر الوحدة الوطنية والعيش المشترك الذي انطلق اليوم في العاصمة القطرية الدوحة على حتمية الحوار كسبيل لإحياء التواصل على المستوى السياسي في المنطقة العربية، وترسيخ قبول حقيقة تعدد وتنوع الأفكار والمعتقدات وحسن إدارة الاختلاف.

وشدد المشاركون في المؤتمر الذي تقيمه وزارة الأوقاف القطرية على أهمية التوعية بثقافة الوسطية والاعتدال وقيم الحداثة لتجاوز حالة التمزق والاحتقان التي يشهدها العالم العربي.

وفي هذا الصدد قال وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية القطري الدكتور غيث مبارك الكواري لدى افتتاحه أعمال المؤتمر، إن هناك حاجة ملحة للحوار في المجتمعات العربية، وإن شعوب المنطقة تتطلع إلى بناء الجسور لا إلى الاصطفاف خلف كتل صلبة سميكة من الحواجز الوهمية الناشئة عن مراحل الضعف والانحطاط.

وأكد المسؤول القطري على الحاجة الماسة إلى المراجعة واستحضار السجل الحافل من تاريخ التعايش في الوطن العربي لاستثماره في توفير مساحة الثقة الضرورية للتوافق، مشيرا إلى دور ذلك في بناء الوحدة الوطنية وتأكيد العيش المشترك من أجل مستقبل تغيب فيه صور الدمار والتشدد.

ولفت في هذا الإطار إلى أن مشاهد الدمار الناشئة عن التشدد والغلو وملاحقة الأفكار الحرة غريبة عن مجتمعات الشرق، مثلما هي غريبة أيضا إبادة الشعوب لمجرد مطالبتها بحقوقها المشروعة في العيش الكريم ورفع الظلم.

الكواري أكد على ضرورة استحضار
تاريخ التعايش في الوطن العربي
 (الجزيرة نت)

دولة المواطنة
من جهته قال زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس راشد الغنوشي إن التمزق والتحارب الطائفي والعرقي يؤكد وجود أزمة تعايش جذورها قائمة في فكرنا السياسي، كما أنها انعكاس لضغوطات وتوازنات دولية قاهرة.

وبيّن الغنوشي خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر أن تحقيق التعايش يستلزم تأسيسا إسلاميا للقبول بالتعدد والتنوع وحسن إدارة الخلاف، والعمل على قيام دولة على أساس المواطنة.

ورأى أن قيام الثورات العربية إنما جاء نتيجة فشل الفكر السياسي في إدارة التعدد بشكل حضاري، مشددا على ضرورة تطهير هذا الفكر من كل ما يشرع للاستبداد.

وأضاف الغنوشي أن الفشل في الوصول إلى مرحلة التداول السلمي على السلطة يرجع إلى الفشل في إدارة الاختلاف، موضحا أن مبدأ المواطنة الذي قامت عليه الدولة الحديثة لم يتأسس بالقدر الكافي في الأمة العربية.

وأشار إلى أن حركة النهضة أدركت في هذا السياق أن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى منطق التوافق والإجماع قدر الإمكان، وإلى تغليب مصلحة الوطن على منطق الأغلبية والمصالح الحزبية.

ولفت إلى أن الحركات الإسلامية في الوطن العربي ما تزال تعيش جدلا بشأن القبول بالتعدد والتعامل مع الأحزاب العلمانية على أساس المواطنة.

الدين وحقوق الإنسان
بدوره أكد الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو على ضرورة تطوير الأسس التي عاشت عليها الشعوب العربية والإسلامية لتشمل المبادئ الدينية السمحة، مع تحقيق المواءمة بين هذه المبادئ ومنظومة حقوق الإنسان العالمية.

أوغلو دعا لتحقيق الانسجام بين تعاليم الدين ومبادئ حقوق الإنسان الحديثة (الجزيرة نت)

وركز أوغلو على أهمية إطلاق حملات للتوعية ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال وترويج مفاهيم الحداثة لتجاوز ما وصفها بالمرحلة الخطيرة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية.

وفي تصريح للجزيرة نت شدد رئيس مجمع فقهاء الشريعة بأميركا الدكتور حسين حامد حسان على ضرورة أن تؤمن الشعوب العربية بأهمية الجلوس إلى طاولة الحوار لتحقيق التعاون والوحدة الوطنية على أساس مبدأ المواطنة، وقال إن "البديل الوحيد للشعوب العربية هو الحوار وليس غير ذلك".

وأشاد في هذا السياق بالتجربة التونسية التي عملت -حسب رأيه- على جمع الكلمة وتوحيد الصفوف على طاولة الحوار الذي قال إنه الحل الناجع للشعوب العربية.

القيادة الحضارية
من جهة أخرى، عبّر المفكر الإسلامي السوداني حسن الترابي في تصريح للجزيرة نت عن أمله في عودة الأمة العربية والإسلامية إلى الفعل والقيادة الحضارية للأمم الأخرى من جديد، والخروج من المأزق الذي تعيشه حاليا.

وقال الترابي إن "الحضارات تتعاقب وإن شاء الله عما قريب تبدأ دورة الحياة"، مؤكدا أن التجارب على الأرض هي التي تمحص النظريات، في إشارة إلى التجربة التونسية.

من جانبه أكد أحمد الريسوني نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن الربيع السياسي والحضاري يستغرق زمنا مقدرا بخلاف ما يعتقده البعض عندما يشبهونه بالربيع الطبيعي، وقال للجزيرة نت "ما زلنا نعيش أطوار هذا الربيع بتحدياته ومحاولات الانقلاب عليه، ونحن في مرحلة مخاض".

وأضاف "يبدو أننا سنعيش سنوات من المخاض الثقافي والسياسي لنرسي بعد ذلك وضعا يأخذ فيه كل ذي حق حقه، ويغيب فيه تسلط الأقلية على الأغلبية".

وتعالج جلسات المؤتمر على مدار يومين قضايا التعددية الدينية والعرقية في الوطن العربي والضوابط الشرعية للعلاقات المجتمعية، ومفاهيم الحرية الدينية، والتسامح والاعتدال.

المصدر : الجزيرة