انطلقت في العاصمة القطرية أعمال المؤتمر السنوي الثالث لمراكز الأبحاث العربية، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، واختار أن يناقش هذه السنة أوضاع دول مجلس التعاون الخليجي وآفاق تطوير مسار الوحدة والاندماج للمجلس ومسائل تهم الهوية والمواطنة والاختلالات السكانية والعمالة الأجنبية.

واستهل المؤتمر -الذي ينظّم تحت رعاية أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني- أعماله بجلسة ناقشت هواجس الهوية والمواطنة في دول مجلس التعاون، كونها القضية الرئيسة التي تلخّص المخاوف المرتبطة بالاختلال السكاني الناتج أصلا عن سياسات تنموية اعتمدت على استيراد عمالة أجنبية غير عربية في أغلبها، رافقت المراحل التاريخية التي مرّت بها هذه الدول.

وأكد المحاضرون في الجلسة الأولى للمؤتمر -الذي اختير له عنوان "دول مجلس التعاون الخليجي: السياسة والاقتصاد في ظلّ المتغيرات الإقليمية والدولية"- على أهمية أن تتصدى دول مجلس التعاون للتحديات الحضارية المرتبطة بالهوية والمواطنة التي يثيرها الاختلال السكاني في هذه الدول.

ورأى الدكتور علي فخرو في ورقة قدمها تحت عنوان "تحدّيات الهوية في دول مجلس التعاون"، أن سياسة استيراد العمالة التي أعطت أفضلية لغير العرب، خصوصا في السنوات الأخيرة، ستساهم في استفحال مشكلة هوية دول المجلس في المستقبل.

فخرو: مشكلة الهوية مرتبطة بإشكالية في الثقافة تعدّ خطرا وجوديا على الهوية، والقضية المفصلية هنا هي قضية اللغة العربية

مشكلة تتفاقم
وأوضح أن هذه المشكلة ستتفاقم مع تشديد المواثيق الدولية على ضرورة توطين العمال المهاجرين ومنحهم تمثيلا في المجالس المرتبطة بالحكم في الدول المستقبلة، مشددا على أن تفاقم المشكلة مرتبط أيضا بفشل السياسة في تقريب دول المجلس من وحدتها المنشودة، وفشلها في التوسع نحو دول عربية مجاورة، وتعثرها في إعطاء أولوية للعمالة العربية.

ورأى فخرو أن مشكلة الهوية مرتبطة بإشكالية في الثقافة تعدّ خطرا وجوديا على الهوية، والقضية المفصلية هنا هي قضية اللغة العربية، مع تنام هائل لأعداد الطلبة الخليجيين الذين لا يتقنون اللغة العربية عند تخرجهم في المدارس أو الجامعات.

وعلى المنوال نفسه نسجت ورقة الدكتورة فاطمة الصايغ في التحذير من آثار اختلال التركيبة السكانية لدول مجلس التعاون على مفهوم "المواطنة"، فإذا كانت نسبة السكان المحليين تقارب حاليا 15%، فإنها في غضون الخمسين سنة المقبلة ستقترب من الصفر.

بدورها، ركّزت الدكتورة أسماء العطية في محاضرتها على توليفة صعبة ولكنها ممكنة، تكون فيها المجتمعات الخليجية منفتحة على العالم مع الحفاظ على هويتها الخليجية بأبعاد واضحة شاملة تضمن طريقة وجود خليجي، مؤكدة على ضرورة استغلال كل مقومات صمود الهوية الخليجية.

مروان قبلان: اختيار موضوع المؤتمر جاء انطلاقا من عدة عوامل، من بينها أن مجلس التعاون يواجه تحديات غير مسبوقة، وأن هناك تبايناً في مواقف واتجاهات وقراءات دول المجلس تجاه التهديدات الحالية

صياغة الهوية
ومن جانبه، أثار أشرف عثمان موضوع تأثير المحيط الإقليمي في صياغة الهوية الخليجية، وتحديدا صعود النموذج الإيراني، خصوصا بعد الثورة الإيرانية (1979)، إذ أحدث ذلك هزة رأت فيها بعض الدول الخليجية تهديدا ماثلا، فنشأ نموذج سعودي قائم على نقض النموذج الإيراني.

وفي السياق ذاته، أوضح مروان قبلان رئيس لجنة تنظيم المؤتمر، ومنسق وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات -في كلمة سبقت أولى جلسات المؤتمر- أن المركز العربي اختار موضوع المؤتمر هذا العام انطلاقا من عدة عوامل، من بينها أن مجلس التعاون يواجه تحديات غير مسبوقة، وأن هناك تبايناً في مواقف واتجاهات وقراءات دول المجلس تجاه التهديدات الحالية.

واعتبر أن المجلس كمنظومة تعاون سياسي اقتصادي أمني بين دول ذات خصائص متماثلة، بدأ كفكرة متطورة جداً في ظروف استقطاب وانقسام شديدين على المستويين العربي والعالمي، لكن هذه الفكرة المتطورة في ذلك الوقت، لم تتقدم كثيراً فيما بعد رغم تزايد التحديات والتهديدات التي تواجه هذا التكتل.

ويضاف إلى هذه العوامل -بحسب قبلان- ما أصبحت ثورة الغاز والنفط الصخريين تشكله من تحد لموقع دول المجلس كأكبر منتج للغاز والنفط في العالم.

المصدر : الجزيرة