على امتداد البصر يتحلق السودانيون حول المائدة من أجل الضرا (الجزيرة)

عبد الفتاح نور أشكر-الخرطوم

عند اقتراب موعد الإفطار وقبل أذان المغرب يتحول المشهد الرمضاني في السودان إلى ما يشبه وليمة جماعية تعارفوا على تسميتها بـ"الضرا"، حيث يبرز رجال الأسر السودانية خارج منازلهم يحملون المأكولات والمشروبات البلدية -كل باستطاعته- مستشهدين بالمثل الدارج "الجود بالموجود".

ويقف الرجال في الشوارع لإقناع المارة بالإفطار معهم، في مشهد حاتمي قلما يتوفر عند بقية الشعوب في الوطن العربي.

كما أنهم يضطرون أحيانا إلى إيقاف السيارات ملوحين بالعمائم، وتسمع في كثير من الطرقات كلمات من قبيل "علي الطلاق تفطر معانا"، وهو قَسمٌ سوداني لا فكاك منه.

والهدف من عادة  "الضرا" عند السودانيين هو إفطار الفقير والمحتاج وعابر السبيل، ابتغاءً لمرضاة الله في الشهر الفضيل، ونشر فضيلة البذل والعطاء لتعزيز روح الأخوة بين السودانيين.

و"الضرا" هي عادة رمضانية قديمة عند السودانيين تدلل على مدى الترابط الاجتماعي والعمق الأسري بينهم.

ويقول مدير تحرير جريدة الانتباهة أحمد الطيب للجزيرة نت إن "الضرا" بلهجة السودانيين تعني السند والحماية، وهي من أشكال التعاون الوثيق بين السودانيين أثناء الشهر الفضيل.

القرى والأرياف
ويؤكد أن للضرا مدلولات ومعاني خاصة عند أهل القرى في السودان، "ولعل عامل الزمن المتاح لأهل الأرياف هو ما يعطي هذه العادة رونقا أكثر جمالا من تلك الموجودة حاليا في العاصمة الخرطوم".

العمدة الحاج حبيب الله (الجزيرة)

بينما يقول الباحث في التراث الشعبي والتاريخ العمدة الحاج علي صالح حبيب الله الذي يبلغ من العمر 84 عاما إن عادة "الضرا" منتشرة بصورة متزايدة في القرى والأرياف في السودان، ولها طقوس خاصة متّبعة غير تلك التي نراها حالياً في المدن الكبيرة مثل العاصمة الخرطوم ومدني في الوسط وشندي في الشمال وبورتسودان في الشرق.

وأضاف "في القرية تجتمع الأسر عند منزل ناظر القبيلة أو العمدة يحملون معهم أصنافا من الأطعمة والأشربة، ياتي في مقدمتها مشروب الآبرية (الحلو مر) والكركدي والعرديب، ومأكولات مثل البلح (التمر) والعصيدة والقُراصة والتقلية وسلطة الروب والبليلة والبقينية وغيرها من الأكلات الشعبية".

ويشير الحاج حبيب الله إلى أن طقوس "الضرا" لا تتوقف عند الإفطار فقط، بل تمتد إلى ما بعد الإفطار، "حيث يرجع الناس إلى بيت العمدة بعد صلاة المغرب لشرب الجبنة والقهوة أو الشاي، وتبادل الأخبار".

ويزيد أنه وبعد الإفطار يأتي مباشرة المقرئ لتلاوة آيات من الذكر الحكيم أو يأتي المادح لمدح المصطفى في قصائد تجذب الحاضرين، "وبعدها يذهب الناس لصلاة التراويح في المساجد".

أما في السحور فيقول العمدة حبيب الله إنه ليس بنفس شعبية الفطور، حيث يكتفي الناس بأكل الأرز باللبن وأحيانا الرقّاق باللبن داخل المنزل، ويغيب عنها عنصر "لمة أهل الحي" أي اجتماعهم وأكلهم في صينية واحدة.

وبموازاة عادة "الضرا" هناك خيمات رمضانية يمولها محسنون سودانيون، لكنها تراعي أساليب عادة الضرا من حيث اجتماع الناس وأكلهم في مكان واحد، مع توفر الأطعمة والأشربة الشعبية عند السودانيين.

الرشيد آدم (الجزيرة)
أما الكاتب بقسم المنوعات بصحيفة الوطن السودانية الرشيد آدم فيقول إن الضرا عادة متجذرة في أعماق السودانيين لا يمكن التخلي عنها أو استبدال عادة رمضانية أخرى منها.

ويشير في تعليقه للجزيرة نت إلى أن المجتمع السوداني يرتبط بهذه العادة كجزء من التراث الشعبي الأصيل إلى جانب مجموعة من العادات الأخرى التي يصعب التنازل عنها.
 
وتحدث الرشيد بطقوس رمضانية أخرى مرتبطة بعادة "الضرا" كتجهيز النساء قبل شهر من حلول رمضان لمشروب الآبريه (الحلو مر) حيث تفوح رائحة المشروب المميزة في الأحياء الداخلية للمدن والقرى على حد سواء، وهو مؤشر قوي لقُرب موعد الشهر الفضيل.

ودعا إلى تمسك السودانيين بعادة الضرا. وقال "هذه العادة لها فوائد اجتماعية ذات تأثير مباشر عند السودانيين، "فهي من ناحية تساهم بتعزيز أواصر المحبة بينهم ومن ناحية أخرى هي دبلوماسية شعبية تعكس صورة إيجابية عن الشعب السوداني".

المصدر : الجزيرة