ألقى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اليوم الأربعاء كلمة في مستهل توليه مقاليد الحكم خلفا لوالده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي أعلن أمس الثلاثاء تخليه عن السلطة في خطوة غير مسبوقة.

وفيما يلي النص الكامل لكلمة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

"بسم الله الرحمن الرحيم ...
أيها الإخوة المواطنون، باسمكم جميعا وباسمي أتقدم إلى صاحب السمو الوالد بكل الشكر والتقدير على قيادته بلدنا على مدى ثمانية عشر عاما بالحكمة والرؤية الثاقبة والعمل الدؤوب، من أجل خير شعبه ورفعة شأن وطنه.

لقد رفع سموه اسمنا عاليا، وفي عهده استمد بلدنا قوته من فعل الخير ونصرة المظلوم وإصلاح ذات البين.

لقد استطاع سمو الوالد أن يحقق ثورة هادئة ومتدرجة وشاملة في كل مفاصل الدولة القطرية بلا استثناء، الاستثمار والاقتصاد والإعلام والثقافة والسياسة الخارجية والتعليم والصحة والرياضة والبيئة، ليصنع في بضع سنين معجزة حقيقية في هذه المنطقة، ويقدم أنموذجا فريدا لشعوبها.

إننا نسجل بمداد من فخر لسموه أن فترة حكمه تمثل مرحلة فارقة في تاريخ قطر بسبب إنجازاته الكبرى وتفانيه في خدمة وطنه وأمته، وبسبب شخصيته الفريدة التي تجمع بين الحكمة والعاطفة وبين حسن التخطيط والتدبير من جهة والعفوية المميزة من جهة أخرى.. يحظى سموه بكل هذه المحبة والشعبية وتحتفظ له بهذه المكانة الخاصة في قلوبنا جميعا.

قد تولى سمو الوالد القيادة في قطر حين كانت دولة عالقة في الماضي غير قادرة على النهوض والتطور واستثمار ثرواتها وتعاني من بنى تحتية ضعيفة ومستوى معيشي متواضع نسبيا.. ووضع سمو الوالد مشروعا إصلاحيا وتنمويا تضمن رؤية القائد وثقة لا حد لها بشعب هذا البلد، وكان عنصر الإقدام والمجازفة المحسوبة فيه قائما، ولولا هذا الإقدام لما تمكنت قطر من تحقيق كل هذه الإنجازات وإرساء البنية التحتية لصناعة النفط والغاز.. وغادر منصبه في خطوة فريدة بل غير مسبوقة وهو منتصب القامة وقطر دولة متطورة ذات مرافق ومؤسسات حديثة يبلغ فيها معدل الدخل الفردي أعلى المستويات في العالم.

غادر سموه منصبه وقطر أشبه ما تكون بورشة بناء لا تتوقف عن العمل، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية متعددة ومتوازنة ومتنامية، ومجتمعها آمن ومستقر تكاد تنعدم فيه الجريمة.

لقد تحولت قطر من دولة بالكاد يعرف البعض موقعها على الخارطة إلى فاعل رئيس في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والرياضة على مستوى العالم.

لقد استطاع سمو الوالد أن يحقق ثورة هادئة ومتدرجة وشاملة في كل مفاصل الدولة القطرية بلا استثناء، الاستثمار والاقتصاد والإعلام والثقافة والسياسة الخارجية والتعليم والصحة والرياضة والبيئة، ليصنع في بضع سنين معجزة حقيقية في هذه المنطقة ويقدم أنموذجا فريدا لشعوبها

ثورة هادئة
وهذا الواقع الجديد قد يبهر الأنظار فيفقد البعض توازنه من بلاغة المديح والإطراء، وهو من جهة أخرى قد يثير حسد الحاسدين فيسيئون لقطر ولأهلها ظلما وبهتانا، ونحن لا يجوز أن ننزلق إلى أي من التطّرفين، فالأهم في موقع قطر الدولي والإقليمي الجديد أنه نقل قطر من دولة تصارع على بقائها ونموها إلى دولة واثقة راسخة المكانة.

ويجب أن نستفيد من هذه المنزلة وأن نفيد الآخرين أيضا، ولا يجوز أن نصاب بالغرور فالتواضع الذي طالما عرف به القطريون هو سمة الأقوياء الواثقين من أنفسهم والغرور يقود إلى ارتكاب الأخطاء.

قرر سمو الوالد أن يختتم فترة حكمه وهو في قمة عطائه، كما أراد أن يقرن أقواله بالفعل لا سيما أقواله حول ضروريات التغيير وتعاقب الأجيال، فسلمني الراية تعبيرا عن ثقته بولي عهده وكلي أمل أن أكون أهلا لهذه الثقة وأن أكون قادرا على مواصلة الطريق الذي شقه هذا الرجل الذي هو بحق باني دولة قطر الحديثة ورائد نهضتها.

ما يصنع الولاية الرشيدة عند الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة.. قال تعالى في كتابه العزيز: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".. وقال تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون". وقال أيضا: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".. صدق الله العظيم.

التحديات والمهام
لقد حملتني الأقدار مسؤولية كبيرة، ويشهد الله أني عملت بما يمليه علي واجب ولاية العهد والضمير.. وها أنا أستجيب الآن لنداء الواجب لأحمل الراية بكل فخر واعتزاز على طريق مجيد لأسلاف عظام.

الإخوة المواطنون، استكمالا لمسيرة الإصلاح والحداثة، رسمنا في عام 2008 خريطة طريق لمستقبل البلاد تحت رؤية قطر 2030 ترمي إلى تحويل قطر بحلول عام 2030 إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وتأمين استمرار العيش الكريم لشعبها.. تقدم الرؤية إطارا عاما لتطوير إستراتيجيات وطنية شاملة وخططا لتنفيذها، مشددة على الموازنة بين الإنجازات التي تحقق النمو الاقتصادي وبين موارد البلاد البشرية والطبيعية.

من الطبيعي أن نضع مصلحة قطر والشعب القطري على رأس سلم أولوياتنا، وهذا يشمل الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والهوية الثقافية، وفي الوقت ذاته لا ننسى أنه لا هوية من دون انتماء لحلقات أوسع، فنحن جزء من منطقة الخليج العربي وجزء من العالم العربي والعالم الإسلامي ونحن أيضا جزء من الإنسانية والمجتمع الدولي.

الاخوة المواطنون، إن تغيير شخص الأمير في دولة قطر لا يعني أن التحديات والمهام قد تغيرت بالنسبة للدولة، فقطر والحمد لله قد أصبحت دولة مؤسسات، وعلى كل وزارة ومؤسسة وهيئة عامة أن تقوم بدورها بموجب القانون بغض النظر عن الشخص الذي يديرها، ومعطيات الواقع لم تتغير وما زال تحدي الاستثمار في صناعة النفط والغاز وفي البنى التحتية قائما، وما زال تحدي تنويع مصادر الدخل والاستثمار الواثق لصالح الأجيال القادمة قائما أيضا.

وما زلنا نواجه تحدي التنمية، وأقصد أولا وقبل كل شيء تنمية الإنسان، فهو ثروتنا الأهم ويرتبط الاستثمار في التعليم والصحة والبنى التحتية وغيرها بهذه المهمة وبها يقاس نجاحنا في التنمية.

سوف نواصل أيها الإخوة الاهتمام بالنهوض بالاقتصاد الوطني وتطوير الخدمات وبناء المرافق العامة وتطوير قطاع الشباب والرياضة، كما سوف نهتم باستثماراتنا للأجيال القادمة وبتنويع مصادر دخل دولة قطر، وسوف نعلن في الوقت المناسب عن خطط لإعادة هيكلة الوزارات لتقليل الازدواجية ولكي تكون جميع المجالات العامة تحت مسؤولية وزارات واضحة ومحددة، وهو مشروع بدأنا به السنة الأخيرة في ظل حكم الأمير الوالد وسوف نواصل العمل عليه وتطبيقه.

أيها الإخوة المواطنون، ليس التطور وارتفاع مستوى المعيشة ممكنا من دون نمو اقتصادي، هذه مقولة بديهية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالتنمية البشرية لا يقتصر الموضوع على مفهوم النمو كزيادة في معدل دخل الفرد بل يصبح الموضوع تحسن أدائه ونبل قيمه وجديته وإنتاجيته في العمل وإخلاصه لوطنه.. فما الثروة دون هذا كله؟ قد تؤدي الثروة من دون ذلك إلى إفساد الفرد ونشوء الشخصية الاتكالية وغير المنتجة.. ومن هنا، فإن قياس نجاحنا في التعليم والتنمية لا يكون فقط بما نستثمره في هذه المجالات وإنما أيضا بالمخرجات التي نحصل عليها.

سوف نواصل الاستثمار في القطاعات، ولكننا سوف نكون أكثر صرامة ووضوحا بشأن النتائج والمخرجات، لماذا أقول هذا أيها الإخوة؟ لأنه لا يمكن أن نطور الإنسان من دون تطوير مجالات الصحة والتعليم والثقافة والرياضة، ولا يمكن تطويرهما من دون استثمار الجهد والمال، ولكن إذا وظفنا استثمارات كبرى ولم نحصل على نتائج ملائمة فلا يجوز المرور على ذلك مرور الكرام، لأنه بدل الفائدة يحصل هنا ضرر.

وكيف يمكن ألا نحقق نتائج إذا استثمرنا كل ما يلزم؟ فقط إذا حصل سوء تخطيط أو سوء إدارة، أي باختصار سوء أداء، وإذا رفعت تقارير غير صحيحة وغير ذلك من الأمور التي لا يجوز التستر عليها وتحتاج إلى معالجة فورية، وإلا نكون كمن يفسد المجتمع والمؤسسات بصرف المال دون جدوى.

وما ينطبق على المخرجات ينطبق أيضا على التعيينات، فلا يجوز أن يعتبر أحد أنه له حق أن يتعين في منصب أو وظيفة عمومية دون أن يقوم بواجباته تجاه المجتمع والدولة.

الإخوة المواطنون، لا حاجة للتأكيد أن قطر تحترم التزاماتها الإقليمية والدولية، فمن المعروف عن قيادة قطر أنها تلتزم حتى بوعودها الشفوية فضلا عن العقود والمعاهدات، ولكن هنالك ما هو أعمق من هذا كله، نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا لا نعيش على هامش الحياة ولا نمضي تائهين بلا وجهة ولا تابعين لأحد ننتظر منه توجيها.. لقد أصبح نمط السلوك المستقل هذا من المسلمات في قطر وعند من يتعامل معنا نحن أصحاب رؤية.

تلتزم قطر بواجباتها تجاه التضامن والتعاون العربي في أطر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومؤسساتهما، وتفعل كل ما في وسعها لمساعدة الأشقاء العرب حين يلزم، وتلتزم بالقضايا القومية والأمن القومي العربي وباحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي الدول العربية كافة

التزامات وواجبات
وفيما يتعلق بالعلاقات الدولية ومستقبل الإقليم وعلاقات الأخوة وحسن الجوار والصداقة، ننطلق من مصلحة بلدنا وشعبه كجزء من الوطن العربي والأمتين العربية والإسلامية، ترتبط دولة قطر بعلاقات الأخوة والتعاون مع الأشقاء العرب وفي مقدمتهم دول مجلس التعاون التي نسعى للارتقاء في علاقتنا معها إلى أعلى مستويات التكامل الممكنة.

وفي هذا الإطار تلتزم قطر بواجباتها تجاه التضامن والتعاون العربي في أطر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومؤسساتهما، وتفعل كل ما في وسعها لمساعدة الأشقاء العرب حين يلزم، وتلتزم بالقضايا القومية والأمن القومي العربي وباحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي الدول العربية كافة.

وتلتزم قطر بالتضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله لنيل حقوقه المشروعة، وتعتبر تحقيقها شرطا للسلام العادل الذي يشمل الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحق العودة للاجئين.. ولا تسوية من دون سلام عادل.

ستبقى قطر كعبة "المضيوم"، عبارة قالها مؤسس الدولة الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني ورددها سمو الوالد، وسوف تبقى على هذا العهد في نصرة المظلومين.

أيها الإخوة المواطنون، نحن دولة وشعب ومجتمع متماسك ولسنا حزبا سياسيا، ولهذا فنحن نسعى للحفاظ على علاقات مع الحكومات والدول كافة كما أننا نحترم جميع التيارات السياسية المخلصة المؤثرة والفاعلة في المنطقة، ولكننا لا نحسب على تيار ضد آخر، نحن مسلمون وعرب نحترم التنوع في المذاهب ونحترم كل الديانات في بلداننا وخارجها، وكعرب نرفض تقسيم المجتمعات العربية على أساس طائفي ومذهبي، ذلك لأن هذا يمس بحصانتها الاجتماعية والاقتصادية ويمنع تحديثها وتطورها على أساس المواطنة بغض النظر عن الدين والمذهب والطائفة، ولأن هذا الانقسام يسمح لقوى خارجية بالتدخل في قضايا الدول العربية الداخلية وتحقيق نفوذ فيها.

لقد أسسنا علاقات تعاون قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل مع العديد من دول العالم في الغرب والشرق في أميركا وأوروبا وآسيا وأفريقيا وفي الإقليم، ولا بديل عن المصالح المشتركة والاحترام المتبادل في العلاقات بين الدول، وهذا في النهاية مقياسنا الذي لا بديل عنه.. فنحن ننطلق من مبادئنا ومصالحنا وكرامتنا ومن مصالح الأمة التي ننتمي إليها وكرامتها.

نعم لقد انحازت قطر إلى قضايا الشعوب العربية وتطلعاتها للعيش بحرية وكرامة بعيدا عن الفساد والاستبداد، نحن لم نوجد هذه التطلعات فما يستدعي التطلع إلى الحرية والكرامة هو رفض الاستبداد والإذلال.

الإخوة المواطنون، ينتظرنا جميعا عمل كثير وسوف تجمعنا مناسبات كثيرة لمناقشة قضايا وطننا العزيز على قلوبنا جميعا، ولكن اسمحوا لي في الختام أن أتوجه من جديد باسمكم وباسمي بأعمق الشكر والامتنان للفارس الذي ترجل.. وأن أتمنى له الصحة وطول العمر هو وكل من عمل معه بإخلاص في خدمة هذا البلد، وأتوجه إليه أن لا يحرمنا من الرأي والنصيحة حين يلزم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

المصدر : القطرية