كشف تحقيق للجزيرة استمر تسعة أشهر وجود مستويات عالية من مادة مشعة وسامة تسمى البولونيوم في مقتنيات شخصية للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وذلك بعد فحوصات أجراها مختبر سويسري مرموق بطلب من الجزيرة.

وقد أجرت الجزيرة هذا التحقيق بموافقة من سهى عرفات، أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل، التي سلمت فريق الجزيرة حقيبة بها مقتنيات شخصية لعرفات (ملابس وقبعات وأغراض أخرى) استخدمها قبل فترة وجيزة من وفاته، وحملتها الجزيرة بدورها إلى المختبر السويسري لفحصها.

وكانت صحة عرفات قد تدهورت بشكل مفاجئ في نهاية أكتوبر/تشرين الأول عام 2004 عندما كانت إسرائيل تحاصره في المقاطعة برام الله، ولم تنفع محاولات أطباء فلسطينيين وآخرين مصريين وتونسيين في علاجه أو اكتشاف السبب في ما كان يعاني منه، فتم نقله بمروحية أردنية إلى مستشفى بيرسي العسكري في العاصمة الفرنسية باريس.

وهناك أجرى الأطباء الفرنسيون عدة فحوصات لعرفات، ودرسوا عدة احتمالات لإصابته بينها التسمم، لكن النتائج التي توصلوا إليها لم تظهر أثرا لأي سموم، وتعددت الشائعات آنذاك بشأن أصابته بين قائل بالسرطان أو التليف الكبدي، وراجت حتى مزاعم بإصابته بمرض الإيدز، وفشل الأطباء في علاجه وأعلن رسميا عن وفاته يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

بولونيوم مصنع

التحقيق الذي أنجزته الجزيرة اعتمد أيضا على الملف الطبي الكامل لعرفات -الذي تسلمته من أرملته- وكشف أن الأغراض الشخصية لعرفات (ملابسه وفرشاة أسنانه وقبعاته) فيها كميات غير طبيعية من البولونيوم 210، الذي لا يصنع في المفاعلات النووية.

وكانت تلك الأغراض -التي خضعت للتحليل في معهد الفيزياء الإشعاعية بمدينة لوزان بسويسرا- تحمل بقعا من دم عرفات وعرقه وبوله ولعابه، وتشير التحاليل التي أجريت على تلك العينات إلى أن جسمه كانت به نسبة عالية من البولونيوم قبل وفاته.

ويقول مدير المعهد فرانسوا بوتشد "أستطيع أن أؤكد لكم أننا قسنا كمية عالية من البولونيوم غير المدعوم 210 (المصنع) في أغراض عرفات التي تحمل بقعا من السوائل البيولوجية".

عندما حلل الأطباءالسويسريون  الأغراض الشخصية لعرفات لم يعثروا على أثر لسموم المعادن الثقيلة أو التقليدية، ولهذا تحول اهتمامهم إلى مواد أكثر غموضا من بينها البولونيوم، وهو مادة عالية الإشعاع لا يمكن إنتاجها إلا في مفاعل نووي ولها عدة استعمالات بينها توفير الطاقة للمركبات الفضائية.

مستويات عالية
كميات البولونيوم التي عثر العلماء السويسريون في مقتنيات عرفات كانت أعلى عشر مرات من الحالات الخاضعة للمراقبة. ويقول معهد لوزان في التقرير الذي أنجزه لفائدة الجزيرة "حتى بالنسبة لحالة تسمم (الجاسوس الروسي السابق ألكسندر) ليتفينينكو (الذي اغتيل بالبولونيوم أواخر عام 2006 في العاصمة البريطانية لندن)، فإنه من المتوقع العثور على آثار ضئيلة جدا في عام 2012".

 لكن الأغراض الشخصية لعرفات -وخاصة تلك التي بها آثار بقع من الدم أو البول أو اللعاب- لوحظت فيها مستويات عالية من البولونيوم، ففي فرشاة أسنانه وصلت مستويات البولونيوم 54 ميليبيكواريل (البيكواريل هو الوحدة العلمية لقياس درجة الإشعاع), ووصلت في لباسه الداخلي الذي عليه بقعة بول 49 ميليبيكواريل (في اللباس الداخلي لرجل آخر استعمل في المراقبة، وصلت النسبة إلى 6.7 ميليبيكواريلات فقط).

 ولا تمثل هذه المستويات -التي تم تسجيلها في مارس/آذار 2012- سوى جزء مما كانت عليه لحظة وفاة عرفات في أواخر عام 2004. وأثبتت تحاليل إضافية أجريت خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران أن جزءا كبيرا من البولونيوم -ما بين 60% و80%، حسب العينات- كان غير مدعوم، بمعنى أن مصدره ليس طبيعيا.

تحليل الرفات

فريق الجزيرة استغرق تسعة أشهر في تحقيقه حول وفاة عرفات

وخلص العلماء الذين فحصوا مقتنيات عرفات في لوزان إلى أن دراسة عينات من دم وبول عرفات عندما كان في المستشفى العسكري بيرسي في فرنسا يمكن أن تكون مفيدة، لكن عندما طلبتها سهى عرفات أخبرها القائمون على المستشفى أنهم تخلصوا من تلك العينات بعد مرور أربع سنوات من الوفاة، حيث لم يطلبها أحد.

 وتقول سهى عرفات "لم أقتنع بذلك الجواب، عادة بالنسبة لشخصية مهمة مثل عرفات عليهم الاحتفاظ بآثاره، ربما لا يريدون التورط في الأمر".

 عدد من الأطباء الذين عالجوا عرفات -سواء منهم العرب أو الفرنسيين- رفضوا الحديث للجزيرة في الموضوع، مناقشة القضية، ومنهم من قال إنه تلقى أوامر بعد الحديث لأن الأمر "سر عسكري".

 ويقول العلماء السويسريون إنهم بحاجة لمزيد من التحاليل وتحديدا لعظام عرفات أو للتربة المحيطة برفاته، وإذا أثبتت تلك التحاليل وجود نسبة عالية من البولونيوم المصنع، فإن ذلك سيكون حجة دامغة على أنه تعرض للتسمم، لكن نبش الرفات يحتاج لموافقة السلطة الوطنية الفلسطينية، ونقله خارج الضفة الغربية يحتاج لموافقة الحكومة الإسرائيلية.

 وتقول سهى عرفات "توصلنا إلى تلك النتيجة المؤلمة للغاية، وهذا على الأقل خفف جزءا من العبء الجاثم فوق صدري. على الأقل قمت بشيء ما كي نقول للشعب الفلسطيني -وللعرب والمسلمين في كافة أنحاء العالم- إن رحيل عرفات لم يكن وفاة طبيعية، كان جريمة". وطالبت السلطة الفلسطينية بفتح الباب أمام استكمال تلك التحقيقات بنبش رفات الراحل وفحصه.

المصدر : الجزيرة