بن بلة رحل قبل أشهر من مرور نصف قرن على استقلال الجزائر (الفرنسية-أرشيف)

هشام موفق-الجزائر

يوارى اليوم الجمعة جثمان أول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة أحمد بن بلة، الذي أعلنت الجزائر أمس الاول الأربعاء وفاته عن عمر يناهز 96 عاما بعدما شهدت حالته الصحية تدهورا في الآونة الأخيرة، وأدخل المستشفى العسكري مرتين في فبراير/شباط الماضي.

وأعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حدادا وطنيا لثمانية أيام في جميع أرجاء التراب الوطني ابتداء من أمس الأول الأربعاء، وقال في برقية تعزية بعث بها لعائلة بن بلة "بوفاة أحمد بن بلة تكون الجزائر قد فقدت اليوم رجلا من رجالاتها التاريخيين العظام، أدى الواجب بأمانة مناضلا ومجاهدا ورئيسا أول للجزائر المستقلة عمت سمعته المشرفة كل أرجاء العالم".

وأضاف بوتفليقة "رغم السنين التي أثقلت كاهله ظل على عهده أمينا مساهما في دعم تدابير وإجراءات الوئام والمصالحة الوطنية وإرساء ثقافة السلم والمحبة والتآخي في وطنه الحبيب وفي القارة الأفريقية".

ويعد بوتفليقة أحد مهندسي الانقلاب على بن بلة في 19 يونيو/حزيران 1965، بقيادة الرئيس الراحل وزير الدفاع آنذاك هواري بومدين، غير أن بن بلة كان يفضل بقاء بوتفليقة في الحكم لأنه "أقل السيئين"، حسبما جاء في أسبوعية جون أفريك الفرنسية.

ردود أفعال
وتوالت ردود أفعال الجزائريين الحزينة على فقدان بن بلة قبل أشهر من احتفالهم بمرور نصف قرن على استقلالهم الذي يوافق 5 يوليو/تموز، وتوافد عدد كبير من المسؤولين والمواطنين إلى قصر الشعب اليوم الخميس لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الراحل قبل أن يوارى الثرى غدا بمربع الشهداء بالعاصمة.

أما الصحف المحلية الصادرة الخميس فقد امتلأت بتصريحات من سياسيين ومؤرخين تنعى فيه "فقيد الجزائر"، وهي العادة التي درج عليها الجزائريون في كل مناسبة لفقدان زعيم.

فمن جانبه، قال وزير الإعلام الأسبق محيي الدين عميمور، وهو أحد المقربين من الرئيس الأسبق هواري بومدين، إن رحيل بن بلة هو "صفحة من تاريخ طويت" معتبرا أنه "عمل واجتهد فأصاب، واجتهد فأخطأ".

كما ذكر الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين سعيد عبادو أن "بن بلة رمز وقائد لثورة أول نوفمبر، لم يكن معروفا في الجزائر فقط، وإنما في العالم كله، وبرحيله يكون رحل واحد من رموز الجزائر وواحد ممن تركوا بصماتهم أثناء الثورة وما بعد الاستقلال".

أما رئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبد السلام، فاعتبر أن رحيل أحمد بن بلة "يشكل غيابا لشخصية معروفة في النضال، كان له دور هام في الحركة الوطنية، وهو من الشخصيات التي ساهمت في مبادرة الكفاح المسلح".

بن بلة (يسار) وبومدين (يمين) بعد توقيع فرنسا والجزائر على اتفاقية لاستقلال الجزائر عام 1962 (الفرنسية-أرشيف)

مسيرة
وأحمد بن بلة المولود بمدينة مغنية أقصى الغرب الجزائري في 25 ديسمبر/كانون الأول 1916 لأبوين من المغرب هو أحد القادة التاريخيين لثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) رغم أنه كان بالسجن في أغلب مراحلها.

فقد اشتهر بعملية الهجوم على "بريد وهران" في العام 1949، التي نفذتها المنظمة الخاصة (الجناح العسكري لحزب الشعب)، وبعدها صار مطلوبا لدى سلطات الاستعمار الفرنسي، فاعتقل عام 1950 وزج به في السجن حتى العام 1952، حيث هرب منه وذهب إلى القاهرة في صيف 1953، حيث تشكل فيما بعد الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، وهناك وثق علاقات قوية مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر وأعضاء بارزين في مجلس قيادة الثورة وضباط من المخابرات المصرية.

وعند اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، كلف بن بلة بتولي مهام الإمداد بالمال والسلاح والرجال، وأشرف شخصيا على عدة عمليات بالشرق الجزائري، لكنه اعتقل على أيدي الفرنسيين عام 1956، في عملية قرصنة جوية لطائرة كان يستقلها مع أربعة زعماء آخرين متوجهة من المغرب إلى تونس، وحكم عليه بالسجن حتى استقلال البلاد في العام 1962.

وقبل شهور من الاستقلال، دب خلاف بين المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي كانت تواجه الاحتلال عسكريا والحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة، واتصلت المؤسسة العسكرية بالقيادات الخمسة الذين اعتقلتهم فرنسا في عملية القرصنة الجوية، وعرضت على الرئيس الأسبق محمد بوضياف تولي الرئاسة، فرفض، لكن بن بلة قبل العرض.

وفي مؤتمر طرابلس، حسم بن بلة خلافاته مع الحكومة الجزائرية المؤقتة فأصبح في سبتمبر/أيلول من ذلك العام أول رئيس للجزائر المستقلة، غير أن وزير دفاعه حينها هواري بومدين أطاح به في انقلاب عسكري، بعد سنتين على حكمه، وهو الانقلاب الذي أطلق عليه "التصحيح الثوري".

وفي فترة حكمه، حقق بن بلة أهم إنجازين يذكران له حتى الآن، الأول تخليه عن التعامل بالفرنك الفرنسي وإنشاء الدينار الجزائري، والثاني قراره استغلال الأراضي الفلاحية التي كان يستعملها المستعمرون، وما زالت ملكا للدولة حتى اليوم.

المصدر : الجزيرة