تحولت الكنيسة بمصر خلال المرحلة الأخيرة من ممارسة دورها الديني اللاهوتي للاشتغال بالعمل العام (الجزيرة نت)
 أحمد عبد الحافظ-الإسكندرية 

تعد المرحلة الأخيرة من مراحل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والتي اعتلى فيها الراحل شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية كرسي مرقس الرسول، الأكثر جدلا وتداخلا بالسياسة في تاريخ اللاهوت القبطي فضلا عن أنها شهدت اتساعا رعويا ودينيا لم تشهده من قبل بأي عصر مضى.

تحولت هذه الكنيسة من ممارسة دورها الديني اللاهوتي إلى الاشتغال بالعمل العام والسياسة بعد أن اقتصر دورها بمراحل سابقة على العبادة والرهبنة داخل الكنائس والأديرة فقط.

فمنذ بدأت الرهبنة في مصر أواخر القرن الثالث وازدهرت بالقرن الرابع على يد الأنبا أنطونيوس الذي أسَّس نظام الرهبنة، وبنهاية القرن الرابع، كان هناك مئات من الأديرة وآلاف الكهوف المُنتشرة بربوع البلاد.

ولعب بطارِكة وباباوات الإسكندرية دورا قياديا في اللاهوت المسيحي تحت سلطة الإمبراطورية الرومانية الشرقية.

وأهم المراحل التي مرت بها الكنيسة المصرية فترة الاضطهاد الروماني التي بدأت عام 68 ميلادية والتي يعتبرها كهنة وقساوسة ومطارنة وأساقفة الكنيسة القبطية فخر الكنيسة. وقد بدأت هذه المرحلة "باستشاد القديس المبشر مار مرقص الرسول" واستمرت حتى الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص وقيامه بتحرير الأقباط من قبضة الرومان وحمايتهم من أعمال البطش والقتل.

 شهدت الكنيسة في عهد شنودة اتساعا دينيا ورعويا كبيرا جدا (الأوروبية)

ازدهرت الكنيسة القبطية أثناء الفتح الإسلامي وظلّت مصر مسيحية حوالي أربعة قرون حيث تم السماح لسكانها بممارسة شعائرهم الدينية بحرية وكانوا مستقلين بدرجة كبيرة. وظلّت القبطية خلال تلك الفترة اللغة الرسمية للبلاد، ولم تظهر الكِتابات بكلتا اللغتين العربية والقبطية قبل منتصف القرن الـ11.

وتُعتبر الطبيعة التاريخية التي تحكم علاقة الدولة بالكنيسة من أهم عناصر تاريخ الكنيسة خلال وجودها.

وبدأ الوجه المسيحي لمصر يتغير وظهرت حركة إصلاح الكنيسة المصرية وتطويرها منتصف القرن الـ19 الميلادي، وبخاصة في عهد البطريرك كيرلس الرابع 1854 - 1862م الذي يطلق عليه أتباع الكنيسة لقب "أبو الإصلاح" لإدخاله العديد من الإصلاحات.

ومع بدايات الألفية الثانية واجهت الكنيسة القبطية مرحلة جديدة من التضييق عندما بدأ الأقباط يعانون من بعض المعوقات مثل القيود التي كانت تفرض على بناء كنائس جديدة، والقيود على النشاطات الدينية العلنية.

وخلال الحقبة الناصرية استقرت الأوضاع بشكل كبير، وتمتعت الكنيسة بعلاقات طيبة مع الدولة ودعم الرئيس جمال عبد الناصر الكنيسة مقابل عدائه للتيارات الإسلامية وقتها.

مفهوم جديد للمسيحية
وشهدت الكنيسة في عهد البطريرك الأخير البابا شنودة الثالث والذي استمر على كرسيه 46 عاما اتساعا دينيا ورعويا كبيرا جدا بالداخل والخارج الأمر الذي جعلها أكثر المراحل جدلا سواء في ممارسة السياسة أو علاقتها بالمسلمين بالداخل والخارج، فضلا عن أنها شهدت أيضا شدا وجذبا مع السلطة في مصر انتهت بالقرار الشهير للرئيس محمد أنور السادات بوضع البابا تحت الإقامة الجبرية.

وقدم البابا شنودة مفهوما جديدا للمسيحية على أنها دين ودولة إلى جانب سياسة الانتشار الدولي والتقارب مع الكنائس الغربية ومؤسساتها لدعم السياسات الداخلية للكنيسة وتحقيق أغراضها، وأسس 250 كنيسة قبطية أرثوذكسية ورسّم ما يصل إلى مائتي أسقف على الأبرشيات القبطية في مصر وخارجها كما أعلن عن تنظيمات جديدة للكنيسة، ودعا لتطوير الكلية الأكليريكية وإعادة الكنيسة لمكانتها العالمية.

وكانت الأربعة عقود الماضية الأكثر تأثيرا في تاريخ الكنيسة والتي ظهر فيها الأقباط ككتلة سياسية واجتماعية تحت قيادة الكنيسة التي ترعي مصالحهم وتتحدث باسمهم داخل الدولة، وتطالب الحكومة المصرية بأن يكون لها نصيب بالمناصب الوزارية فضلا عن تبنى الدعوة بالتخلي عن فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو ما ساهم في تقليص وجودهم في الحياة العامة وظهور متكرر للفتنة الطائفية.

النظام السابق لثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 فرض على الكنيسة طوال الثلاثين عاما الماضية التعبير عن الأقباط والتدخل لملء الفراغ الذي تركته الدولة عندما انسحبت عن تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية أسوة بكثير من المؤسسات الإسلامية حيث تم تقديم قانون خاص ببناء دور العبادة ومشروعات قوانين أخرى تتعلق بالمواطنة الحقيقية ومنع التمييز.

المصدر : الجزيرة