محمد ولد عبد العزيز بعد تماثله للشفاء من الرصاصات التي أصيب بها  (رويترز)
أمين محمد-نواكشوط

رغم ما شهدته المنطقة العربية من ثورات وأحداث ساخنة بالسنة الأولى للربيع العربي (2011)، وما كانت تمور به المنطقة المغاربية الأقرب لموريتانيا بشكل خاص من تطورات وأحداث امتد لهيبها في كل اتجاه، فإن الساحة الموريتانية بقيت هادئة إلى حد بعيد، ومع بداية العام الحالي 2012 بدا أن الأمور ستسير في اتجاه مغاير.

ويمكن القول إن رحيل أو ترحيل النظام كان العنوان الأبرز الذي طغى على المشهد الموريتاني في العام 2012، وذلك بدءا بحراك المعارضة في الشهور الأولى من السنة، وانتهاء بالرصاصات التي أصابت الرئيس وغيبته قسريا عن المشهد، وكادت أن تحقق للمعارضة ما عجزت عن تحقيقه بالنضال السياسي.

شرارة الرحيل
هل هي عدوى الربيع، أو محاولة إسقاط واقع على آخر يختلف عنه مكانا وسياقات وظروفا وحسابات؟ هكذا بدأ الجدل بين الموالين والمعارضين بداية العام الحالي 2012 حين صعدت المعارضة من خطابها، ورفعت "غطاء" الشرعية عن النظام الحالي وتعهدت بإسقاطه.

حددت منسقية المعارضة الأول من مايو/ أيار ساعة صفر لإسقاط نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز ووضعت خطة تقرر أن تبدأ بإنذار ومطالبة الرئيس بالرحيل ومغادرة الكرسي، ثم تتدرج في أنشطة سياسية وجماهيرية منددة بفساد النظام ومحذرة من مغبة استمراره على استقرار وأمن البلاد، على أن تبلغ تلك النشاطات ذروتها باعتصام مفتوح. وكان التعهد بألا يغادر المعتصمون قبل أن يغادر الرئيس.

انقضت وحدات الشرطة وقوات مكافحة الشغب في الهزيع الأخير من ليل اعتصام المعارضة الأول لتمزق شمل المجتمعين، وتفرق جمعهم، ولم تفلح المسيرات ولا المهرجانات التي عقدتها المعارضة بعد ذلك في المحافظة على زخم الترحيل الذي وعدت به أنصارها منذ اليوم الأول لحراكها.
بعد نحو أربعين يوما من التواري بشكل شبه كامل عن الأنظار عاد الرئيس محمد ولد عبد العزيز من رحلة علاجية في باريس في صحة يبدو أنها تتحسن باضطراد

تعثر المسار
وشكل إحباط جزء من جماهير المعارضة من تلك التجربة وإغلاق المدارس وقدوم فصل الخريف وحلول رمضان عوامل أضعفت الحراك المعارض، وجعلت النظام يتنفس الصعداء، قبل أن تنتعش "بشائر" الرحيل من جديد في صفوف المعارضين مع الرصاصات التي أصابت الرئيس في الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهي الرصاصات التي أثارت جدلا واسعا بين المعارضين والموالين حول أسبابها وتداعياتها، حيث أكدت الحكومة أنها كانت من طرف أحد الجنود وعن طريق الخطأ، بينما رفضت المعارضة تلك الرواية وطالبت بتحقيق محايد.

وبعد نحو أربعين يوما من التواري بشكل شبه كامل عن الأنظار عاد الرئيس محمد ولد عبد العزيز من رحلة علاجية في باريس في صحة يبدو أنها تتحسن باضطراد، الشيء الذي فت في عضد معارضيه وأربك حراكا معارضا تجدد مع غيابه من أجل نقل السلطة وبدء مرحلة انتقالية جديدة.

وفي حين ترى الأغلبية الحاكمة أن البلد لا يعيش أي تأزم ترى المعارضة بشقيها المحاور والمقاطع للنظام أنه يعيش أزمة سياسية، وقدمت المعارضة المحاورة ما سمي بمبادرة رئيس مجلس النواب مسعود ولد بلخير للخروج من الأزمة بتشكيل حكومة توافقية، كما قدمت منسقية المعارضة أخيرا مبادرة تقضي بنقل السلطة والبدء بمرحلة انتقالية تفضي إلى انتخابات حرة، وتم رفض كلتا المبادرتين من قبل الأطراف الأخرى.

وبالإضافة إلى تلك الأزمة السياسية فقد عاش البلد خلال العام الحالي على وقع ما تقول المعارضة إنه أزمة دستورية بعد انتهاء الفترة الدستورية للبرلمان الحالي، وإعلان المعارضة عدم شرعيته وبطلان ما يصدر عنه، في حين تتمسك الأغلبية به وترى أن تمديد المجلس الدستوري له كفيل بإضفاء الشرعية الدستورية عليه.

قمع الشرطة لمسيرة مطالبة برحيل الرئيس الموريتاني (الجزيرة-أرشيف)

ملفات في الواجهة
بالتوازي مع الحراك السياسي، عاد الملف الحقوقي مرة أخرى للواجهة بعد سجن نشطاء مناهضين للعبودية إثر ما عرف بمحرقة أمهات كتب المذهب المالكي والتي رأى فيها النشطاء تكريسا وتشريعا للعبودية، وبالتوازي مع ذلك صعد نشطاء زنوج ضمن ما بات يعرف بمبادرة "لا تلمس جنسيتي" حراكهم المطالب بـ"إنصاف الزنوج" ومساواتهم مع البيض في موريتانيا.

وفي المجال الاقتصادي تم تجديد اتفاقية الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي مقابل مبلغ 113 مليون يورو يدفعها الأوروبيون سنويا للطرف الموريتاني، كما شهدت الأسعار ارتفاعات كبيرة وخصوصا أسعار الوقود التي ارتفعت أكثر من عشر مرات في عام تعرضت البلاد في نصفه الأول لجفاف أهلك جزءا مقدرا من ثروة البلاد الحيوانية والزراعية.

وقد ألقت التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية التي مرت بها منطقة الساحل هذا العام على الوضع العام في موريتانيا، حيث استقبلت البلاد أكثر من ستين ألفا من اللاجئين الأزواديين، كما احتضنت مشاورات ولقاءات قادة من دول الساحل بحثت في وضع المنطقة.

وكانت حادثة اعتقال مدير المخابرات الليبية السابق عبد الله السنوسي قادما بجواز مزور لموريتانيا محطة بارزة في خريطة أحداث موريتانيا للعام الحالي، وقد اختار النظام الموريتاني تسليمه لحكومة بلاده بعد أشهر من الأخذ والرد والمفاوضات العسيرة بين الطرفين.

وعلى إيقاع الهدوء الصامت تودع موريتانيا عامها الحالي، فالحراك المعارض دخل بياتا شتويا على ما يبدو، وقادة النظام أكثر سعادة لاجتياز ما يصفونها بالمرحلة الأصعب من عمر النظام، وعيونهم على مالي حيث تقرع طبول الحرب قرب الحدود وسط مخاوف من تأثيرها على أمن واستقرار النظام والبلاد على حد سواء.

المصدر : الجزيرة