المصريون شركاء الثورة، تفرقت بهم السبل خلال العام المنقضي  (رويترز)
عبد الرحمن سعد-القاهرة

ودع المصريون عام 2012، وقد تداخلت فيه الخطوط بين ثورة تبحث عن تمكين لها في عامها الثاني، وفوضى يُتهم بإحداثها خصوم النظام الجديد وأتباع النظام السابق، فيما دولة المؤسسات تحاول أن تشق طريقها من رحم إرادة شعبية متنامية.

وما بين ثلاثية "الثورة والفوضى والدولة" جاء 2012 ثقيلا على المصريين، نتيجة الاستقطاب المتزايد بين شركاء الثورة، واستمرار الانفلات الأمني، وتراجع أداء الاقتصاد، وتضاعف معاناة الفقراء.

وبالرغم من ذلك لم يخل العام من مبشرات بالنهوض، لعل أبرزها الدور القوي في وقف العدوان الإسرائيلي على غزة (نوفمبر/تشرين الثاني)، والالتئام مع الجهد العربي المبذول لنُصرة الثورة السورية (قمة طهران 30 أغسطس/آب)، فضلا عما شهدته مصر قبل نهاية العام من وضع أول دستور بعد الثورة، لتولد بذلك آمال الاستقرار في العام الجديد من رحم معاناة العام القديم.

كانت أهم أحداث العام قاطبة الانتخابات الرئاسية التي أقيمت الجولة الأولى منها يومي 23 و24 مايو/أيار، والجولة الثانية يومي 16 و17 يونيو/حزيران. ونجح الدكتور محمد مرسي -الرئيس السابق لحزب "الحرية والعدالة"- في حسمها لصالحه بنسبة 51.73% بعد جولة إعادة بينه وبين الفريق أحمد شفيق.

أما الحدث الثاني الأكثر أهمية فكان انتهاء الجمعية التأسيسية من وضع مشروع الدستور، وتسليمه إلى الرئيس يوم السبت 1 ديسمبر/كانون الأول، ثم قيام الرئيس بتوجيه الدعوة إلى الشعب للاستفتاء عليه، عبر مرحلتين. وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات أن نتيجته جاءت بأن نسبة من قالوا "نعم" 63.8% مقابل 36.2% قالوا "لا".

أما أسوأ ما شهدته مصر في هذا العام فهو قرار المحكمة الدستورية العليا يوم 14 يونيو/حزيران بحل مجلس الشعب المنتخب بحكم صادم اعتبر المجلس منعدما، استنادا إلى عدم دستورية القانون الذي جرت بموجبه انتخاباته. وكان المجلس عقد أول جلسة له يوم 23 يناير/كانون الثاني.

في 25 يناير/كانون الثاني حلت الذكرى الأولى للثورة، ونزل الجميع إلى ميدان التحرير، وبينما اعتبرها الإسلاميون احتفالا بنجاح الثورة، رأى معارضون أنها مناسبة للتذكير بأن مطالبها لم تتحقق.

أحداث سياسية فارقة
في 25 يناير/كانون الثاني حلت الذكرى الأولى للثورة، ونزل الجميع إلى ميدان التحرير، وبينما اعتبرها الإسلاميون احتفالا بنجاح الثورة، رأى معارضون أنها مناسبة للتذكير بأن مطالبها لم تتحقق. وكانت تلك بداية شرخ ازداد اتساعا بين الفريقين بمرور الوقت.

وفي يوم الأحد 5 أغسطس/آب كان المصريون على موعد مع مقتل نحو 11 جنديا وإصابة العشرات أثناء تناولهم طعام الإفطار، في حادث غامض برفح، لم يتم التوصل إلى معرفة مرتكبيه، وترتب عليه قيام قوات الجيش بحملة واسعة في سيناء، باسم "العملية نسر".

وترتب على الحادث إصدار الرئيس مرسي إعلانا دستوريا (الأحد 12 أغسطس/آب) بإعطاء رئيس الجمهورية صلاحياته كاملة، وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري في 17 يونيو/ حزيران. وأعقب الرئيس ذلك بقرارات تعيين الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع، وإحالة المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان وبعض أعضاء المجلس للتقاعد، وتعيين الباقين بمناصب أخرى.

وفي يوم الأربعاء 21 نوفمبر/شباط أصدر الرئيس إعلاناً دستورياً آخر تضمن إقالة النائب العام، وتشكيل نيابة خاصة لجمع الأدلة بمحاكمة قتلة الثوار، وتحصين قرارته والجمعية التأسيسية ومجلس الشورى ضد الملاحقة القضائية، مما أثار مظاهرات غاضبة للمعارضين، وخروج "مليونية الشرعية والشريعة" للمؤيدين، فيما أعلن الرئيس يوم 8 ديسمبر/كانون الأول تجميده للإعلان مع بقاء آثاره نافذة.

ويُذكر أن يوم الأحد 4 نوفمبر/شباط شهد اختيار الكنيسة القبطية بابا جديدا لها هو الأنبا تواضروس خلفا للبابا شنودة الثالث.

في الثاني من يونيو/حزيران أُسدل الستار على محاكمة  حسني مبارك وأعوانه (الأوروبية-أرشيف)

محاكمات مهمة
في يوم السبت الثاني من يونيو/حزيران أُسدل الستار على محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وأعوانه بتهمة قتل المتظاهرين، حيث أصدر المستشار أحمد رفعت حكمه بالسجن المؤبد لكل من الرئيس المخلوع ووزير داخليته حبيب العادلي. لكن المحكمة قضت ببراءة كل من مساعدي وزير الداخلية الستة ونجلي الرئيس المخلوع، مما أثار موجة من الاحتجاجات.

وفي يوم الأحد 30 سبتمبر/أيلول، أصدر المستشار هشام رؤوف، قاضي التحقيقات المنتدب من وزارة العدل، قرارًا بإحالة المرشح الرئاسي الخاسر الفريق أحمد شفيق، وعشرة مسؤولين سابقين بوزارة الطيران المدني لمحكمة الجنايات، بعد اتهامهم بالتربح وتسهيل الاستيلاء على المال العام.

وبعدها بأيام (الأربعاء 10 أكتوبر/تشرين الأول) صُدم الرأي العام بقرار جنايات القاهرة ببراءة 24 متهمًا في قضية قتل المتظاهرين يومي 2 و3 فبراير/شباط 2011 المعروفة باسم ''موقعة الجمل''، وكلهم من رموز النظام السابق وكبار رجال أعماله وقيادات الحزب الوطني المنحل.

عنف مأساوي
في الثاني من مايو/أيار وقعت أحداث العباسية، وقتل فيها أكثر من 11 مصريا، وأُصيب عشرات من المتظاهرين، ومجند بالقوات المسلحة.

ويوم الاثنين 19 نوفمبر/شباط شارك المئات من أعضاء الحركات والأحزاب السياسية في إحياء ما اعتبروه الذكرى الأولى للاشتباكات الدامية التي شهدها شارع محمد محمود بين قوات الشرطة والجيش، والمتظاهرين في مثل ذلك اليوم من العام السابق (2011).

وطالب المتظاهرون بالقصاص لأرواح الشهداء، واشتبكوا مع القوات التي تحمي وزارة الداخلية، مما أسفر عن مصرع الناشط جابر صلاح (جايكا)، فضلا عن إصابة عدد من المتظاهرين، وحرق مبنى سكني، وإستوديو "الجزيرة مباشر مصر"، المطل على التحرير.

وفي أوائل سبتمبر/أيلول اندلعت أحداث عنف واسعة في محيط السفارة الأميركية احتجاجا على فيلم مسيء للإسلام، وظلت الأحداث أياما عدة، وحرق المتظاهرون العلم الأميركي، وقبض على بعضهم، وحُكم على 11 شخصا بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ.

وفي يوم الأربعاء 5 ديسمبر/كانون الأول نزل مؤيدو الرئيس إلى قصر الاتحادية لإعلان تأييدهم قراراته، لكن جرت اشتباكات مع المعارضين، مما أسفر عن مصرع عشرة من جماعة الإخوان المسلمين، علاوة على صحفي، وإصابة نحو ألف شخص.

وتواكب مع ذلك إحراق 28 مقرا للإخوان وحزبهم "الحرية والعدالة" بالمحافظات، والمقر العام في المقطم، ومقر حزب النور بمدينة الغردقة، ومصرع شاب إخواني (إسلام مسعود)على أيدي مهاجمي مقرهم بمدينة دمنهور.

كما اندلعت أعمال عنف بين مؤيدي الرئيس ومعارضيه في محيط مسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية قبيل إجراء مرحلتي الاستفتاء على الدستور، وحوصر خطيب المسجد الشيخ أحمد المحلاوي يوم الجمعة 14ديسمبر/كانون الأول، نحو 16 ساعة، واعتدي على أتباعه.

وفي الجمعة التالية تعرض متظاهرو "جمعة الدفاع عن العلماء والمساجد" يوم 21ديسمبر/كانون الأول للاعتداء عليهم، فأصيب ستون من المصلين بجروح بعضها خطير. وقد آثر الإسلاميون عدم الرد، حتى لا يتم إفساد الاستفتاء. كما وقع هجوم على مقر حزب الوفد المعارض، والذي اتهم أتباع الداعية السلفي حازم صلاح أبو اسماعيل بذلك الهجوم.

ومن الحوادث الفاجعة التي هزت الرأي العام، حادثة قطار أسيوط يوم السبت 17 نوفمبر/شباط التي أسفرت عن وفاة 49 طفلا

تطورات اقتصادية واجتماعية
حفل عام 2012 بمؤشرات سلبية اقتصادية لمصر، إذ استمر تدهور الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي المصري حتى وصل إلى قرابة 15 مليار دولار فقط بنهاية العام. وانخفضت قيمة الجنيه لأدنى مستوياتها في ثماني سنوات أمام الدولار. واستمر الارتفاع في عجز الموازنة ليقترب من حدود المائتي مليار جنيه مع نهاية العام المالي الحالي، وتعرض قرض صندوق النقد الدولي المقدر بقيمة 4.8 مليارات دولار للتأجيل.

كما شهد العام عشرات الاحتجاجات الفئوية، وأبرزها إضرابات المعلمين والأطباء وعمال هيئة النقل العام وهيئة مترو الأنفاق، وظلت الاعتصامات والاحتجاجات تحاصر مقر مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى دون هوادة طوال العام، مما كبّد الخزينة المصرية أكثر من مليار دولار، بحسب بيانات وزارة المالية.

ومن الحوادث الفاجعة التي هزت الرأي العام، حادثة قطار أسيوط يوم السبت 17 نوفمبر/شباط التي أسفرت عن وفاة 49 طفلا، وإصابة 17 آخرين، إثر اصطدام قطار القاهرة أسوان بحافلة معهد أزهري بمدينة منفلوط. وتسبب الحادث في استقالة وزير النقل ورئيس هيئة السكة الحديد.

أحداث رياضية
في الأول من فبراير/شباط، كانت الرياضة المصرية على موعد مع أكبر كارثة في تاريخها، على إثر مباراة كرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري ببورسعيد، إذ وقعت مذبحة قتل فيها 76 من أنصار الأهلي، ووقع مئات المصابين.

وقد أعلن الحداد الرسمي في البلاد ثلاثة أيام، وتجمد النشاط الكروي المحلي، وبرغم ذلك استمر النادي الأهلي في نشاطه الأفريقي، واستطاع أن يرسم البسمة على وجوه معجبيه، وحصد -عن جدارة- كأس أفريقيا لأبطال الدوري، عندما فاز يوم السبت 17 نوفمبر/شباط على فريق الترجي التونسي (2-1)، وتأهل بذلك لكأس العالم للأندية باليابان، وحل فيها رابعا، بعد أن ترك ذكرى طيبة. وقد منحه الاتحاد الأفريقي (كاف) لقب أفضل ناد بالقارة السمراء عن العام.

عمر سليمان توفي في 19 يوليو/تموز بمستشفى كليفلاند الأميركي (الجزيرة-أرشيف)

وفيات المشاهير
شهد عام 2012 رحيل مشاهير كثر عن مصر أبرزهم: اللواء عمر سليمان نائب الرئيس المخلوع حسني مبارك، ورئيس جهاز المخابرات العامة نحو عشرين عاما، الذي توفي يوم الخميس 19 يوليو/تموز في مستشفى كليفلاند بالولايات المتحدة. وذكرت تقارير أن وفاته كانت أثناء خضوعه لعملية جراحية في القلب، لكن وفاته ظلت غامضة.

وتوفي البابا شنودة الثالث -بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية- عن عمر 88 عاما. كما رحل الدكتور ثروت عكاشة، وكان وزيرا للثقافة ونائبا لرئيس الوزراء المصري سابقا. وتوفي زكريا محيي الدين، وهو أحد الضباط الأحرار، وأول رئيس للمخابرات العامة المصرية عام 1952، وقد تولى منصب رئيس الجمهورية يومين عندما تنحى عبد الناصر عن الحكم.

وتوفى سلامة أحمد سلامة، وكان رئيسا لإدارة جريدة الشروق، ويكتب فيها عمودا بعنوان "من قريب" انتقل به إليها من "الأهرام"، التي شغل فيها لسنوات طويلة موقع مدير التحرير.

كما توفي الدكتور إبراهيم الفقي، وهو خبير مصري في التنمية البشرية والبرمجة اللغوية، وله أكثر من خمسين كتابا، وحققت مبيعاته ملايين النسخ في العالم.

وتوفي أيضا محمود الجوهري أحد أكبر المدربين في تاريخ كرة القدم المصرية، وكان أوصل منتخب مصر إلى التأهل لكأس العالم 1990 في إيطاليا.

وعلى مستوى الشخصيات الأدبية رحل الكاتب إبراهيم أصلان صاحب (مالك الحزين). ورحل الدكتور ميلاد حنا أستاذ الهندسة الإنشائية، وأحد أبرز المفكرين السياسيين.

وعلى المستوى الفني شهد عام 2012 وفاة 17 فنانا وفنانة بمصر، موزعين على مجالات الغناء والموسيقى والتمثيل، كالتالي: المطربة وردة الجزائرية، والموسيقار عمار الشريعي، والممثل أحمد رمزي، والمطرب محمد نوح، والمطرب أحمد السنباطي نجل الموسيقار الراحل رياض السنباطي، وفؤاد خليل، وحاتم ذو الفقار، والإعلامية فريال صالح، والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، وسهير الباروني، وسمير حسني، ويوسف داود، وأحمد عبد الهادي، وسيد عبد الكريم، والمخرج هناء عبد الفتاح، وأحمد البرعي، ومحيي الدين عبد المحسن.

المصدر : الجزيرة