ليبيا.. التأسيس الديمقراطي وتجاذبات الأمن والاستقرار
آخر تحديث: 2012/12/31 الساعة 02:31 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/12/31 الساعة 02:31 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/18 هـ

ليبيا.. التأسيس الديمقراطي وتجاذبات الأمن والاستقرار

مسألة الفدرالية كانت حاضرة بقوة في المشهد السياسي الليبي خلال 2012 (الفرنسية)

إسماعيل القريتلي-طرابلس

لعل الحديث عن تطورات الأوضاع في ليبيا عام 2012 يلزمه الحديث عن حركة "12-12" التي تأسست في ميدان الشجرة بمدينة بنغازي، وهو ميدان يرمز إلى عدد من الأحداث المناهضة لحكم العقيد معمر القذافي. وكان هدف الحركة الضغط لعقد انتخابات المجلس المحلي في بنغازي بعدما سبقتها مدينة مصراتة، فعقدت بجهود محلية انتخابات محلية شهد كل المراقبين بنزاهتها وشفافيتها.

كانت في مقابل حركة "12-12" الدعوة إلى النظام الفدرالي التي قادها الزعيم السنوسي محمد الزبير عضو المجلس الوطني الانتقالي، يدعمه عدد من أعيان المنطقة الشرقية، وانتهت إلى عقد اجتماع حضره مؤيدون للفدرالية في مدينة بنغازي، وتلخصت مطالبهم في العودة إلى دستور المملكة الليبية الصادر عام 1951 مع رفض تغييراته في الستينيات التي أنهت النظام الفدرالي المعمول به عند تأسس ليبيا الحديثة.

حدثت مواجهات بين أنصار الفدرالية ودعاتها، وشهد الإعلام الليبي والصالونات السياسية جدلا واسعا بين تأييد ورفض للفدرالية، وحاول بعض النشطاء السياسيين تحريك مظاهرات مناهضة للمركزية في العاصمة طرابلس، ولكن خرجت مظاهرة كانت أغلب بياناتها وكلماتها ضد الفدرالية وتدعو إلى الوحدة الوطنية.

في هذه الأثناء كانت لجنة إعداد قانون الانتخابات تضع لمساتها الأخيرة على القانون الذي خرج مليئا بالعيوب القانونية والأخطاء اللغوية، وأدى إلى ردة فعل واسعة، كان أهمها الهجوم على مقر المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، ومحاصرة رئيسه مصطفى عبد الجليل، ليفرج عنه بعد تدخل من ثوار  بنغازي الإسلاميين.

وأدى رفض النخبة لقانون الانتخابات إلى تشكيل لجنة لتضع تعديلات عليه ومنحت فترة أسبوع، وقدمت اللجنة تغييراتها التي تركزت على تعديل نسبة عدد أعضاء المؤتمر الوطني العام بمنح الأغلبية للأحزاب والأقلية للأفراد وإلغاء الكوتة المخصصة للمرأة، وقدم للمجلس الانتقالي الذي أقره في جلسة أولى ثم أعاد تعديله بجلسة سريعة في اليوم التالي تركزت على تغيير النسبة بين الأحزاب والمستقلين ومنحت الأحزاب 80 مقعدا من أصل 200، وشهدت الجلسة نقاشا حادا بين أعضاء المجلس من الإسلاميين وأعضائه من الليبراليين.

ليبيا شهدت أول انتخابات لها منذ أزيد
من أربعة عقود (الفرنسية)

انتخابات تشريعية
وبدأت بعد ذلك الاستعدادات لإجراء أول انتخابات تشريعية في ليبيا، وذلك بعد توقف للحياة الديمقراطية والسياسية تجاوز أربعة عقود. وظهرت أجواء من عدم الثقة بين المجلس الانتقالي والنخبة السياسية، خاصة الأحزاب التي أشهرت نفسها وتجاوزت المائة حزب وتجمع سياسي.

وبرز الخلاف بشأن إمكانية عقد الانتخابات في وقتها المقرر نهاية يونيو/حزيران، وحدثت مناظرات بين الطرفين، كما ظهر في الفترة ذاتها خلاف حاد بين التيار السياسي الإسلامي ومن يصننف نفسه ليبراليا، وبرز في الأفق حزبان أساسيان يمثل كل منهما طرف المعادلة السياسية في ليبيا، فتحالف القوى الوطني يرأسه محمود جبريل ويجمع عددا من الشخصيات الليبرالية وأحزابهم، ومثل في المقابل حزب العدالة والبناء أهم مكون سياسي إسلامي، لكنه لم ينجح في حشد السلفيين والجهاديين معه حيث قرروا خوض غمار السياسة بعيدا عنه.

وبينما كان المشهد السياسي يستعد لإجراء الانتخابات، برز إلى السطح مجددا الاتجاه الفدرالي قبل موعد الانتخابات بأكثر من شهر، وأغلق الطريق في منطقة الوادي الأحمر التي يعتبرونها الحدود الفاصلة تاريخيا بين ولاية برقة (شرق ليبيا) وولاية طرابلس (غرب ليبيا). وحاول رئيس الحكومة الانتقالية عبد الرحيم الكيب مفاوضتهم، وأرسل نائبه مصطفى بوشاقور للحديث معهم، لكن دون جدوى.

إلى جانب انتظار الانتخابات، كان الغضب عارما ضد حكومة الكيب التي وصفت بالمركزية وإهمال المنطقة الشرقية والجنوبية، وتعرضت وفود رئيسها للاعتراض أكثر من مرة، كما حاول رئيس المجلس الانتقالي تخفيف حدة رفض الانتخابات بأن وعد بأن تكون لجنة الستين المخصصة لوضع مقترح الدستور منتخبة ومقسمة على المناطق الثلاث (عشرون عضوا لكل منطقة). وفعلا تم تعديل الإعلان الدستوري قبل يوم من الانتخابات ليتفق مع ما وعد به عبد الجليل في ذكرى إحياء محاولة رتل قوات القذافي دخول بنغازي يوم 19 مارس/آذار 2011.

أنجزت الانتخابات رغم محاولات متواضعة لعرقلتها في بنغازي وإجدابيا والبريقة وبعض مدن المنطقة الشرقية، وسريعا تم انتخاب محمد المقريف زعيم الجبهة الوطنية وحزبها بعد ذلك رئيسا للمؤتمر الوطني العام بعد اتفاق بين الإسلاميين لإسقاط خيار تحالف القوى الوطنية علي زيدان.

ولكن لم يكن انتخاب رئيس الوزراء سهلا كرئيس المؤتمر، حيث لم يتفق الإسلاميون بداية على مرشح، وكان لهم عدة مرشحين أبرزهم مصطفى بوشاقور المحسوب على الجبهة، وعوض البرعصي المنتمي لحزب العدالة والبناء، ينافسهما رئيس التحالف محمود جبريل الذي استطاع مع بوشاقور الذهاب إلى الجولة الثانية، ليتحد الإسلاميون مجددا ضده بالتصويت لبوشاقور الذي فشل في إقناع حلفائه جميعا في دعم تشكيلته الحكومية مرتين، مما فرض إعادة جولة انتخابات رئيس الحكومة داخل المؤتمر، فتقدم هذه المرة مرشحان أحدهما محسوب على التيار الإسلامي هو وزير الحكم المحلي في حكومة الكيب وعلي زيدان الذي اتضح أنه خيار للتحالف، وتم عقد صفقة سياسية بين التحالف والعدالة والبناء لتمرير زيدان في الجولة الثانية، ثم تشكيل الحكومة بالتشاور مع الحزبين.

حكومة زيدان لم تكن محل إجماع من قبل جميع أطياف المشهد السياسي بليبيا (الفرنسية)

رفض إسلامي
برز بشكل مفاجئ رفض الثوار الإسلاميين -خاصة في المنطقة الغربية- لتشكيلة زيدان الحكومية، واقتحموا مقر المؤتمر الوطني، ولكن جهود إسلاميين آخرين -خاصة العدالة والبناء- انتهت إلى تمرير الحكومة التي رُفض بعض وزرائها من هيئة النزاهة، ليعودوا مجددا بقرارات من المحكمة المختصة في طرابلس.

أثناء مشكلة تشكيل الحكومة كان المؤتمر الوطني قد أصدر قرارا قيل إنه انحاز فيه إلى مصراتة ضد بني وليد، واستمرت العملية العسكرية قرابة شهر أسفرت عن دخول قوات أغلبها من مصراتة تحت مظلة درع ليبيا، وهو جهاز سلاح أقرب إلى قوات المشاة يتبع شكليا قيادة الأركان التي اختلفت في هذه العملية مع وزير الدفاع أسامة جويلي الذي صرح بعدها بأنه لم يكن راضيا أو موافقا على العملية.

وبينما كانت عملية بني وليد تدور رحاها، تمكنت بعض الجهات التي لم تعلن عن نفسها بوضوح من إقناع الآلاف من سكان بنغازي بالخروج في جمعة أسموها "جمعة إنقاذ بنغازي"، بعدما تعرضت القنصلية الأميركية فيها للهجوم الذي انتهى بمقتل السفير الأميركي لدى ليبيا كريستوفر ستيفنز.

وتعرضت في تلك الجمعة مقار كتائب ثوار إسلاميين للهجوم، لتنتهي أغلبها بتغيير قادتها بآخرين عسكريين، إلا أن أنصار الشريعة التي اختفى منتسبوها وقادتها فترة عن الأنظار ليعودوا مجددا إلى الظهور والتصريح، خاصة بعد عدة أحداث أمنية شهدتها بنغازي كان أشهرها اغتيال رئيس الأمن في المدينة فرج الدرسي.

وبينما نحن نعد أيام العام 2012 الأخيرة، أصدر المؤتمر الوطني قانونا جعل بموجبه جنوب ليبيا منطقة عسكرية، وذلك بعد زيارة لرئيس الحكومة إلى دول الجوار الأفريقي.

كما صدر قبل ذلك قرار من المحكمة العليا فاجأ الجميع يلغي كل الإحالات التي قام بها مكتب المدعي العام لشخصيات بارزة في النظام السابق، كما لم تتمكن السلطة المركزية في ليبيا من استلام نجل القذافي سيف الإسلام من ثوار الزنتان لبدء محاكمته في طرابلس، بينما أصدرت الشرطة الدولية (الإنتربول) عشرات المذكرات الحمراء للدول التي يقيم فيها رجال من نظام القذافي بقصد التعاون لتسليمهم.

وكان من أهم أحداث العام الجاري تسليم عبد الله السنوسي قائد المخابرات في عهد القذافي، حيث تسلمته ليبيا من موريتانيا التي دخلها بجواز سفر مزور.

ولعل من أهل ملفات الأيام الأولى من عام 2013 ستتلخص في لجنة الدستور التي يحاول بعض السياسيين الطعن في التعديل الذي جعلها منتخبة. كما سيكون هناك جدل واسع يتعلق بالحالة الأمنية التي تتردى. وأخيرا قرار المؤتمر الوطني العام إعادة النظر في أعضاء السلك الدبلوماسي بعيدا عن حكومة زيدان الذي أظهر امتعاضه لقرار المؤتمر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات